الصفحة 147 من 164

العمل: إن التصور القدري للبلاغ يفرض علينا ألا نفهم ممارسة الكلام دون عمل أو مخالفة الكلام للعمل على أنه مجرد مخالفة شرعية؛ ولكن على أنه تناقض يعبر القرآن عنه في سورة الصف بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) . ذلك أن آيات السورة التي بدأتها هذه الآية تدور حول موضوع واحد: هو تمام الانحراف عن الحق أو التناقض، وأن الكلام بغير جهاد هو الصورة الكاملة لهذا التناقض؛ ولهذا جاء في السورة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ، فالإيذاء واقع وهم يعلمون أنه رسول الله إليهم وجاء.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإسلام) . فالافتراء واقع منهم. وهم يدعون إلى الإسلام)، فالافتراء واقع منه وهم يُدعون إلى الإسلام، جاء ايضًا (يريدون ان يُطفئوا نور الله بأفواههم) ، وهذه هي الصورة النهائية للتناقض: محاولة إطفاء نور الله بأفواه البشر. وهكذا يعالج القرآن ظاهرة الكلام بغير عمل في إطار معالجة التناقض بصوره النهائية والمتعددة.

والتصور القدري للبلاغ يفرض علينا أن نفهم أن ممارسة الكلام دون عمل يفقده أثره لأنه تناقض بين الدعوة وسنن الله في خلق الإنسان إذا إنه من السنن النفسية أن يتأثر الإنسان بالعمل.

فالعمل هو أهم أساسيات البلاغ القدرية، ذلك أن طبيعة هذا الدين عملية - وهكذا أنزله الله سبحانه - وأن مقتضى هذه الطبيعة أن ترتبط غاية الدعوة بقدر ضخم من العمل وقدر قليل من الكلام. ومن هنا آتي الله نبينا عليه الصلاة والسلام (جوامع الكلم) ، ولذلك تقول الصحابة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (لو عده العاد لأحصاه) ، ويرتبط هذا المعنى بطبيعة العلم وهو أنه نور يقذف في القلب وليس بكثرة الكلام. وفي هذا يقول ابن القيم: انظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعلى ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كان كلامهم أقل من كلام من بعدهم من الصحابة وهم أعلم منهم، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم، فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه

نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

وفي تأثير الدعاة العاملين في غيرهم يقول ابن القيم: ومن هنا كان الانتفاع بالعلم من علامات الإرادة فكان قولهم إنه إذا علم شيئا من العلوم فعمل به صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به، وإذا تكلم انتفع به من سمعه.

سنة القدوة: وأوضح المواقف المؤكدة لهذه السنة هو ما كان يوم الحديبية [1] .

سنة المنفعة: وهو تأليف القلوب بالمنافع من خلال الدعوة وإقامة الحجة مثلما جاء في قصة أصحاب الأخدود [2] .

ويربط ابن تيمية بين الحجة والمنفعة بقوله: (الخوارق ثلاث أنواع: إما أن تعين صاحبها على البر والتقوي فهذه أحوال نبينا ومن اتبعه كانت خوارقهم لحجة في الدين أو حاجة المسلمين(النبوات 10) .

(1) حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يحلقوا فلم يفعلوا فلما حلق هو إقتتلوا هم ليلحق كل واحد قبل الآخر

(2) وكان الغلام يبريء الأكمة والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت