فهرس الكتاب
التواضع: ويقول الإمام الشاطبي في الموافقات وكذلك في الاعتصام نقلا عن الإمام الغزال: (أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعجب [1] جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء
سنة القوة: وفيها قول الله عز وجل: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) .
وواضح من الآية أن رؤية شعيب له ضعيفا هي علة عدم فقههم للدعوة.
3)التصور القدري لمن هو موضعا للبلاغ:
غير أن أخطر أساس في التصور القدري هو أن يتم تقييم من نتوجه إليهم بالبلاغ من خلال هذا التصور ونحدد أسلوب البلاغ بناء على هذا التقييم، ومن هنا يمكن مقارنة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى اليهود باعتبار أن قدر الله فيهم أنهم مغضوب عليهم، ودعوته إلى النصارى باعتبار أن قدر الله فيهم أنهم ضالون. وأن المقتضي المنهجي في ممارسة الدعوة مع اليهود كان يقوم على إثبات الوحي والرسالة دون استفاضة معهم في الحوار والمناقشة؛ ذلك ما رواه مسلم: جاء حبر من أحبار اليهود فقال: جئت أسألك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه وقال:(سل) [2] ولعلنا نلاحظ تردد النبي صلى الله عليه وسلم في إجابة اليهودي وذلك بنكت العود الذي معه.
وفي هذا المعنى يقرر النبي صلى الله عليه وسلم تبعية اليهود لأحبارهم وأن هذا هو المانع من هدايتهم فيقول: (لو آمن عشر من اليهود لآمن بي اليهود) [3] .
أما النصارى فكان أسلوب دعوتهم يقوم على استفاضة الحوار والمناقشة، ودليل ذلك ما رواه الربيع بن أنس البكري أحد التابعين رحمة الله تعالى مرسلا قال: إن النصارى أتوا رسول الله فخاصموه في عيسى بن مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلي قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلي قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلي، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلي قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم الله؟ قالوا: لا قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلي. قال: ألستم تعلمون أن ربنا يأكل الطعام ولا يشرب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلي قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته امة كما تحمل المرآة، ثم وضعته كما تضع المراة ولدها، ثم غذي كما تغذي المرأة الصبي، ثم كان يطعم ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلي قال: فكيف يكون هذا إلها كما زعمتم؟ قال: فعرفوا فأنزل الله عز وجل: (الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، أخرجه ابن جرير وابن حاتم كما في (الدر المنثور) من أول سورة آل عمران.
4)حدود إقامة الحجة:
ويجب أن يكون البلاغ في الدعوة تحقيقا لمفهوم حجة الله، وهذا المفهوم يقوم على عدة جوانب:
(1) أي: إعجابهم بأنفسهم.
(2) أخرجه مسلم في الإيمان (315) من حديث ثوبان رضي الله عنه.
(3) البخاري في مناقب الأنصار (274/ 7) من حديث أبي هريرة.