فهرس الكتاب
جانب الميثاق والفطرة: كما في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) ، وعلى هذا يجب الارتكاز في التبليغ على الفطرة والتعامل معها. ولعل المثال الطيب لهذا الأسلوب هو ما كان من سيدنا إبراهيم مع قومه [1] ، حيث ارتكز في كلامه معهم أنه مركوز في الفطرة ان الله فوق فنظر في السماء، ومركوز أن الله لا يغيب فرفض الكوكب بعد أن أفل، ومركوز أن الله أكبر فاتجه إلى القمر لأنه أكبر من الكوكب ومركوز أن العبادة غاية الحب فكان يرفض هذه الظواهر بقوله: (أنا لا أحب) .
جانب العقل: ولذلك يقول ابن تيمية في تفسير قول عز وجل: (فلله الحجة البالغة) : (وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل وتحدث بها فلا يمكن للعقل دفعها ولا جحودها) .
جانب تنوع الخلق في الهداية: ولذلك يقول ابن تيمة: فأقام الله الحجة وصرف الآيات والمثال، ونوع الأدلة. ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال.
ويبين ابن القيم مفهوم الحجة فيبين أنها قائمة في الأسباب ومسبباتها فيقول: إذا شاهد العبد القدر السابق بالذنب علم ان الله سبحانه قدره سببا مقتضيا لأثره من العقوبة، كما قدر الطاعة مقتضية للثواب. وكذلك تقدير سائر أسباب الخير والشر كجعل الماء سببا للموت والنار سببا للإحراق، فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك - وقد عرف أنه سبب لهلاكه - فالحجة مركبة عليه، والمؤاخذه لازمة، كالحريق مثلا، والذنب كالنار وإتيانة كتقديمه نفسه للنار.
ثم نأتي إلى الأساس الذي تقوم به الحجة وهو الحد العلمي لها وهو أن تبلغ الحجة حد المثل.
وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء من نبي إلا أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر إنما كان الذي أوتيته قرآنا فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) [2] وأهم مرتكزات التصور القدري للبلاغ لإقامة الحجة هو تلك الحقيقة الخطيرة وهي أن البلاغ عندما يستوجب قدرا استحقاق الذين قامت عليهم حجة البلاغ إما للعذاب القدري والإهلاك وإما للعذاب قتالا بأيدي المؤمنين. وعندما يكون الإهلاك والقتال مرتبطا بالبلاغ فإن تمام هذا البلاغ وكماله يعتبر شرطا قدريا هاما فإذا لم يتم البلاغ كما أراده الله؛ فإن استحقاق القوم للهلاك لن يقع.
وعلى هذا يكون من الخطأ انتظار إهلاك القوم او البدء بقتالهم قبل تمام مرحلة البلاغ باستفاضة. ويكون هذا الخطأ خروجا عن مقتضيات التصور القدري للدفع بين الحق والباطل.
5)قضية الأسماء وقرآنية البلاغ:
وأهم أسس التصور القدري للبلاغ هو أن يكون التعريف بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله وقدرته وسننه هي الموضوع الأصلي في هذا البلاغ.
(1) يراجع تفسير سورة الأنعام الآيات 75) 68.
(2) سبق تخريجه وهو صحيح.