فهرس الكتاب
ولهذا يقول ابن القيم: والرسل من أولهم إلى خاتمهم، صلوات الله عليهم جميعا أرسلوا بالدعوة إلى الله وبيان الطرق الموصولة إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه؛ فهذه القواعد الثلاثة ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول فعرفوا المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه يدبر أمر مملكته، ويسمع أصوات خلقه، ويري أفعالهم وحركاتهم، ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم: يأمر وينهي، ويرضى ويغضب، ويحب ويسخط، ويضحك من قنوطهم وقرب خيره، ويجيب مضطرهم وملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويحيي ويميت ويمنع يعطي، ويؤتي الحكمة من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويفك عانيا، وينصر مظلوما، ويقصم ظالما، ويرحم مسكينا، ويغيث ملهوفا، ويسوق الأقدار إلى مواقيتها ويجريها على نظامها، ويقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء تأخيره فأزمة الأمور كلها بيده ومدار تدبير الماليك كلها عليه.
وهذا مقصود الدعوة وزبد الرسالة وأوصاف المدعو إليه ونعوت كماله، وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب الوصول إليه. وقد جاءت الرسالة بإثبات الصفات مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء وحصل العلم واليقين، ورفع الشك والريب؛ ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي؛ ذلك أن تأويل الصفات وإضرارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين وزوال المماليك وتسليط أعداء الإسلام عليه، ويعرف هذا من له أطلاع وخبرة بما جري في العالم [1] .
وباعتبار أن القرآن منهج الدعوة ...
وباعتبار أن الأسماء الصفات هي قضية القرآن الأساسية فإنها صارت أساسا في ترتيب آياته وتحقيق الموضوعية القرآنية. ومثال ذلك أواخر سورة النساء وهي قول الله عز وجل في الآيات (170 - 175) ، والتي تبدأ بالآية: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) . بدأت الجولة الثانية مع النصارى أتباع عيسى بن مريم لتصحيح غلوهم في أمر المسيح عبد الله ونبيه وكذبهم عن هذا الغلو وتقرير الحق في شأنه فهو عبد الله لا يستنكف أن يكون عبد الله وكذلك الملائكة تصحيحا لمزاعمهم عن روح القدس ونفي التثليث ونفي الأبوة عن الله سبحانه وتعالى وتختم السورة بآية تحتوي على أحكام المواريث وقد سبق في السورة حكم بعضها وهذه هي بقيتها وهي الآية: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
(1) مدارج السالكين: 350/ 3