فهرس الكتاب
وهكذا تختم الآية التي بدات بعلاقات الأسرة وتكافلها الاجتماعي وتضمنت الكثير من الأحكام الاجتماعية في ثناياها تختم بتكميل أحكام الكلالة وهي على قول أبي بكر رضي الله عنه: (ما ليس فيها ولد ولا والدة) .
ومن خلال النص القرآني وتفسيره نري كيف عالج القرآن قضية عيسى ابن مريم ثم جاءئت أحكام المواريث فتوافقت الآيات في إظهارها كمقتضي وحدانية الله بنقي الولد عنه سبحانه مع أحكام المواريث كمقتضي من مقتضيات الواقع البشري المتوالد. ولا نجد علة للربط بين قضية عيسى وأحكام المواريث إلا بهذا التصور.
هذا ... وقد اتفقنا من قبل على قرآنية المواجهة، ومقتضي ذلك قرآنية البلاغ ولذلك نواصل الموضوعية القرآنية للأسماء والصفات كأساس للدعوة إلى دين الله عز وجل.
فالقرآن كلام الله تجلي الله فيه لعباده بصفاته فتارة يتجلي بصفات الهيبة والعظمة والجلال؛ فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء، وتارة يتجلي في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدالة على كمال الذات؛ فيستنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته؛ فإذا أراد منه الآخرون أن يعلق تلك المحبة به أبي قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء فتبقي المحبة له طبعا لا تكلفا.
وإذا تجلي بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره وكلما قوي الرجاء جد في العمل؛ كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر.
وإذا تجلي بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات وانقبضت أعنة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر.
وإذا تجلي بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لها، والتواصي بها، وذكرها وتذكرها، والتصديق بالخبر، والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي.
وإذا تجلي بصفة السمع والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء فيستحيي من ربه أن يراه على ما يكره أو يسمع منه ما يكره أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه فتبقي حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوي.
وإذا تجلي بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ودفع المصائب عنهم ونصرة أوليائه وحمايته ومعيته الخاصة لهم انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به وما في كل ما يجريه على عبده، ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته ورضاه بما يفعله ويختار له.
وإذا تجلي بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته ويذهب طيشة وقوته وحدته.
وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات الهيبة تارة، وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية والمحبة الخاصة والشوق في لقائه، والأنس والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إليه بطاعته واللهج بذكره والفرار من الخلق إليه ويسير هو وحده همه دون ما سواه.