الصفحة 152 من 164

ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار إليه والاستعانة به والذل والخضوع والانكسار له، وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في الهيته، وحمده في ملكه، وعزه في عفوه، وحكمته في قضائه وقدره ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميته، وعدله في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه، ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه.

وأنت إذا تدبرت القرآن وأجرته من التحريف وأن تقضي عليه بأراء المتكلمين وأفكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما يدبر أمر عباده يأمر وينهي ويرسل وينزل الكتب، ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل ويخفض ويرفع ويسمع ويعلم السر والعلانية، فعال لما يريد، موصوف بكل كمال، منزه

عن كل عيب، لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ليس لعباده من دونه ولي شفيع.

ولذلك يقول ابن القيم: من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته.

وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه فإنه يعرفه بأنه قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال منزه عن المثال بريء من النقائص والعيوب، له كل اسم حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد، فوق كل شيء ومع كل شيء، وقادر على كل شيء ومقيم لكل شيء آمروناه، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين، أقدر القادرين، وأحكم الحاكمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده ويبصر أهله الطريق الموصل إليه وبحال السالكين بعد الوصول إليه.

وفي تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أو علمته أحدا من خلقك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري، وجلاء همي وحزني) [1] .

دل الحديث على أن التوسل إليه سبحانه بأسمائه أحب إليه وأنفع للعبد من التوسل بمخلوقاته وكذلك سائر الأحاديث كما في حديث الاسم الأعظم: (اللهم إني أسألك بان لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والارض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم) [2] وفي الحديث الآخر: (أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [3] وفي الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق) [4] وكلها أحاديث صحاح رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم وهذا تحقيق لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) .

(1) صحيح أخرجه أحمد رقم (3712) ، وابن ماجه (2372) ، والحاكم (509/ 1) من حديث مسعود رضي الله عنه وهو حديث الهم أول: ما أصاب عبداهم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضي في حكمك ... الحديث.

(2) أخرجه النسائي في السهو (52/ 3) من حديث أنس وسنده صحيح.

(3) صحيح أخرجه النسائي (52/ 3) من حديث محجن بن الأدرع.

(4) النسائي في السهو (54/ 3) من حديث عمار بن ياسر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت