الصفحة 153 من 164

وقوله. (أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري) [1] يجمع بين أصلين: الحياة والنور. فإن الربيع هو المطر الذي يحي الأرض فينبت الربيع، فيسأل الله بعبوديته وتوحيد أسمائه وصفاته أن يجعل كتابه الذي جعله روحا للعالمين ونورا وحياة لقلبه بمنزلة الماء الذي يحي الأرض ونورا له بمنزلة الشمس التي تستنير بها الأرض، له الحياة. والنور جماع الخير كله فقال تعالى: (فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ) .

(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) ، فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ونورتحصل به الهداية.

مثال لاظهار الأسماء في واقع الدعوة:

وفي قصة أصحاب الخلود مثال إظهار أسماء الله عز وجل بالصورة الواقعية الصحيحة، فقد كان الغلام من حيث العمل يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي الناس من سائر الادواء وكان لايزيد في دعوته من حيث الكلام عن قوله: أنا لاأشفي انما الله يشفي وكان لايزيد عن قوله بعد نجاته من أعدائه كفايتهم الله وفي النهاية يطلب من الملك ان يقول وهو يقتله بسم الله رب الغلام فكانت هذه العبارات الثلاث هي كل ما قاله الغلام في دعوته ولكنها كانت خطا لاثباته العقيدي لاسماء الله عز وجل فالله الشافي والله الكافي والله المحي والله المميت ولم يذكر الغلام كقضايا كلامية ولكنه يذكرها كحقائق في واقع قائم لايمكن ردها أو حتى مناقشتها، هذا من حديث الموضوع [2] .

وكان الغلام يبرئ الاكمة والأبرص ويداوي الناس من سائر الدواء وينطلق بدعوته فيسير بالمعروف بين الناس مؤلفا قلوبهم بالمنافع والخير مؤكدا إنسانية الدعاة وحبهم للبشر عمله هذا تحقيقا لقدر الله في حياة هؤلاء الناس ليؤمنوا بعد ذلك من خلال شفائهم ومداوتهم من سائر الادواء بعد ان يحب الناس.

القدر الذي يتحقق فيهم باعتباره مداواة وشفاء ويصير حب القدر حبا لله وهو محقق هذا القدر وحبا للغلام، وهو سبب هذا القدر وحبا للدعوة وهي حكمة هذا القدر وقد كان هذا شأن جميع الانبياء ومعجزاتهم، وأوضح مثال على هذا عيسى عليه السلام الذي كانت معجزاته كما قال: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) .

وصالح عليه السلام الذي كانت معجزاته الناقة التي تشرب ماء القوم يوما وتعطيهم لبنا وتترك لهم الماء يوما: (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) .

غير انه في معجزة موسى تاكدت بوضوح الأبعاد الكاملة للمعجزات وهي اثبات النبوة والقيمة الحركية، والنفع الانساني، فهي التي تأكدت بها نبوة موسى.

(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَاتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِين) ، وهي ايضا التي نجا بها موسى ومن معه من فرعون.

(فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) ، وهي ايضا التي ضرب بها الحجر (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) .

(1) قطعة من حديث السهم السابق قريبا.

(2) يراجع أصحاب الاخدود للكاتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت