فهرس الكتاب
ومن هنا أن ترتبط الحركة القتالية بسنة الله في الدفع وانها يجب ان نلتزم بالمرحلة القدرية المحددة للدعوة وهي الواردة في قول الله: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) ، والحركة القتالية تتوافق مع مرحلة الاستغلاظ فيجب ان لايكون قتال في مرحلة خروج الشطأ والمؤازرة القدرية وانما يكون الامر بكف الأمر بكف الأيدي كما في قوله سبحانه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ، من حيث غاية الهداية وتحقيقا لسنة الدفع من خلال الحركة القتالية يكون الارتباط بين أحكام القتال وغاية الهداية، وذلك باعتبار ان مفهوم الدفع بين الحق والباطل يقتضي الا يكون القتال حركة عسكرية لاتستهدف الا القتل بل تقتضي ان تكون الحركة العسكرية ذاتها مجالا للدعوة والهداية.
والحركة القتالية للدعوة في ارتباطها بالتصور القدري ترتبط بهدف الهداية باعتباره هدفا اصليا ذلك ان القتال كعذاب من الله بأيدي المؤمنين يجب ان يراعي فيه استحقاق الهداية بجانب استحقاق العذاب ولقد كانت هذه الحقيقة في غاية الوضوح في غزوة بدر عندما قاتلت الملائكة مع المؤمنين فان سيرة تثبت ان الملائكة بجانب انها قتلت المشركين فإنها اسرت اخرين وان كل من أسرتهم الملائكة كتب الله لهم الهداية وأسلموا وكان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم من أسري الملائكة.
وقد أوحي الله سبحانه وتعالى إلى نبيه عليه السلام هذا التصرف الملائكي في حصار الطائف حيث أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائف لن تفتح له بالقتال فقال: سنرحل غدا فطلبت الصحابة القتال فقاتلوا وجرحوا جراحات شديدة فقال: سنرحل غدا فلم يتكلم فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمت طائفة بعدها.
ولكن هذه الحقيقة، سواء كانت ملائكيا أو عملا نبويا بوحي من الله عز وجل، لا يمكن للبشر إدراكها بنفس الصورة المباشرة التي فعلتها الملائكة في بدر والنبي في الطائف، غير أن الأحكام الشرعية الضابطة للحركة القتالية المتعلقة بالتعامل مع الكفار هي التي تتضمن هذا المفهوم القري العظيم وبصفة عامة يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم الموازنة الصحيحة بين غاية الهداية وبين القتال والغنائم وهي حمر النعم الواردة في الحديث: (لئن يهدي الله ربك رجلا واحدا خيرا لكم من حمر النعم) [1] .
ولعل أهم هذه الأحكام هو حث الأسري على الإسلام كما في قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) ، وكذلك قبول استجارة المشرك (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) .
(1) أخرجه البخاري في المغازي باب مناقب على بن أبي طالب، ومسلم في (فضائل الصحابة(2406) من حديث سهل بن سعد الساعدي).