الصفحة 156 من 164

وكذلك العفو عن الكافر إذا تاب قبل أن تصل إليه يد القدرة كما في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، والالتزام الشرعي العام هو الذي يحقق التوافق بين غاية الهداية وأسلوب القتال وما قدره الله سبحانه في مصائر الخلق فذلك ينتهي إليه سبحانه له الخلق والأمر.

4)التصور القدري لحد الاستطاعة القتالي:

واتفاقا مع التصور القدري نفهم معنى العدد والعدة فيكون الشرط فيه بلوغ الاستطاعة وهو قول الله عز وجل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) ، ولأجل أن الخيل للقتال وأن القتال باق إلى يوم القيامة فقد عقد الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخير مقعود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة) [1] وليس أدل على أن العلاقة بين الخيل والقتال قدرية من أن يأتي جبريل والملائكة لتأييد المسلمين في القتال وهم يركبون الخيل، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر (هذا جبريل آخذ بعنان فرسه) ، ذلك أن الخيل بالنسبة لجبريل لا يمثل سببا ماديا لأنه لجبريل ستمائة جناح تسد الأفق كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الوحي.

وفي العدد قوم التصور القدري على الإيمان، ومن هنا لم يكن الرسول خائفا الغار ويقول للصديق: (ما بالك باثنين الله ثالثهما) ، وكما قال القرآن: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) .

ولكنه في غزوة بدر يخشي الهزيمة ويدعو الله حتى يسقط الرداء من فوق عاتقه.

أما يوم حنين فيعجب المسلمون بكثرتهم وتتجاوز السببية حدودها القدرية، فيهزمون، كما قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) ، ويقوم التصور القدري للعدد على الكثرة، وكما نزلت الملائكة في غزوة بدر على الخيل فإنها نزلت بأعداد كثيرة، كما قال الله: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ) ، رغم أن جبريل بمفرده قادر على إهلاك أهل الأرض، ولكنها السببية القدرية للعدد في القتال.

وهناك حكم خاص في العدد تضمنه قول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يهزم اثنا عشر ألفا من قلة) ، ولهذا الحكم وقفة تفسيرية وهو أن بلوغ المسلمين هذا العدد بمستوي الإيمان الصحيح يعني أن الأمة قدرا قد تجاوزت مرحلة الوجود الثابت إلى مرحلة الامتداد التي يؤيد الله فيها مقاتليها، وتلك هي الدلالة القدرية لتأييد هذا العدد والوعد بعدم هزيمته.

غير أن مادية الأسباب والإعداد والعدد والعدة له في التصور القدري ما يعالجها لإثبات طلاقة المشيئة الإلهية وفوقية القدر على مادية الأسباب فيأتي الدعاء وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام ومعه الجيش والسيوف مرفوعة والقوة معدة والأسباب مأخوذة بها ومابين هذا والنصر الا الدعوة البراء اذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ان من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ادع الله ان ينصرنا عليهم [2] .

(1) البخاري في الجهاد باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ومسلم في الغمارة رقم (1783) من حديث عروة بن الجعد. وأخرجاه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2) مر تخريجه ودرجته وانه صحيح مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت