الصفحة 157 من 164

كما ان خطر المفاهيم التي تعالج المادية الاعداد والعدد هو قوله النبي صلى الله عليه وسلم: انما تنصرون وترزقون بضعفائكم [1] وبرغم بلوغ أقصي حد استطاعة للامكانية المادية، الا ان قدر وجود الأمة المسلمة وامتدادها لا يدخل في حدود تلك الامكانيات لانه قدر ومشيئة الهية خالصة، ومن هنا كان الواقع القتالي هو واقع التدخل القدري المباشر ومجال الخوارق والكرمات ولذا يقول ابن القيم في مدارج السالكين في قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ... ) .

فهذه الآية نزلت في شأن رمية صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء فلم تدع وجه احد منهم الا أصابته، ومعلوم ان تلك الرمية من البشر لا يبلغ هذا المبلغ فكان منه صلى الله عليه وسلم مبدأ الرمي وهو الحذفق ومن الله سبحانه وتعالى نهايته وهو الايصال فأضاف اليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفي عنه رمي الايصال الذي هو نهايته ونظير هذا قوله في الآية نفسها: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) ، ثم قال: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) .

فأخبره انه هو وحده الذي تفرد بقتلهم ولم يكن ذلك بكم انتم كما تفرد بإيصال الحصي إلى اعينهم ولم يكن ذلك من رسوله.

ولكن وجه الاشارة بالآية انه سبحانه اقام أسبابا ظاهرة لدفع المشركين وتولي دفعهم واهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب الذي تظهر للناس فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا اليه وبه هو خير الناصرين.

5)القتال عذاب الله:

والذي يؤكد العلاقة بين حقيقة العذاب بالاهلاك والعذاب بالقتال هو ان الاسلوب القدري للعذاب كان الاهلاك ثم انزلت التوراة فكان الاسلوب القدري للعذاب بعد ذلك هو القتال، وهذا تفسير قول الله عز وجل: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) .

حيث جاء في التفسير بعد انزل الله التوراة لم يهلك أمه بعامة بل امر المؤمنين بقتال الكافرين [2] مما يعني ان العذاب بالقتال هو الاسلوب القدري البديل للعذاب بالاهلاك منذ نزول التوراة حتى قيام الساعة.

والتصور القدري للقتال مبني حقيقة ان القتال هو عذاب الله بأيدي المؤمنين، وهذا هو المعنى الصريح في قوله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) .

(1) أخرجه ابو داود في الجهاد 2594 والترمذي في الجهاد 1702 والنسائي في الجهاد ايضا 45) 46/ 6 وهو حديث صحيح ومعناه في البخاري في الجهاد باب من استعان بالضعفاء والصالحين.

(2) ابن كثير ح5 ص 469

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت