الصفحة 158 من 164

وقول الله في ذي القرنين: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا) ، وبذلك يتوافق القتال مع سنن الاهلاك في الدنيا ويتوافق ويتوافق ايضا مع عذاب الاخرة بأيدي المؤمنين قتالا مع العذاب بأيدي الملائكة جهنم الغلظة، واليك قول الله عز وجل: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، الذي يجييء بعده قول الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ، ولعلنا نلاحظ صفة الملائكة بأنهم لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهذا الوصف في هذا المقام له اهمية بالغة، لان الملائكة وهي اداة تحقيق ارادة الله في عذاب الكفار، لابد ان يتحقق منها الخضوع لاوامر الله عز وجل وتلك صفة لازمة في كل ما أداه محققة لارادة الله عز وجل ومن هنا يجب ان يتوافق المؤمنون مع الاملائكة في صفة الخضوع والسمع والطاعة المطلقة لأوامر الله عز وجل كما يتواقفون في صف اللغظة على الكفار، وهذا ما يرجع بنا إلى مفهوم الالتزام الشرعي في القتال كما في الأحكام القتالية وكما في الآية (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ، والآية (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) ، مثلما ان الملائكة غلاظ شداد.

6)التوافق القتالي مع سنن الأهلاك:

وبمقتضي التصور للقتال باعتباره عذابا من الله تعالى بأيدي المؤمنين فإن الحركة القتالية يجب ان ترتكز على سنن الاهلاك، وقد كانت هذه السنن أحكاما قتالية ثابتة في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم فكان الغزو صبحا. وفي هذا يقول النعمان بن مقرن: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل قال: وكان يقاتل عند تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنين لجيوشهم في صلاتهم [1] هذا وقد جاءت عدة آيات تربط بين الرياح والنصر منها قول الله في سورة الروم:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) . قال النعمان بن مقرن: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب وينزل المطر) [2] ولقد بلغ الالتزام بتلك السنة حدا أصبحت به الخيل هي (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) ، كما في سورة العاديات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح خبير (الله أكبر خربت خيبر إذا نزلنا ساحة قوم فساء صباح المنذرين) . توافقا مع قول الله في الإهلاك: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) ، وهكذا كل آيات العذاب حيث يرتبط وقوع العذاب بالصباح.

(1) أنظر مسند أحمد (444) 445/ 5) حديث النعمان بن مقرن.

(2) انظر التعليق السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت