وتفسيرا ذلك أن البدء والإعادة عندما يكونا تكرار لحدث بعينه، فإن هذا التكرار لن يكون منفصلا عن طبيعة العلاقة بين هذا الحدث وبقية الأحداث المرتبطة به، وعلى هذا فإن تكرار حدث بعينه هو تكرار لعلاقات كاملة بين الأحداث: لان العلاقة بين الأحداث إما أن تكون سببا أو نتيجة أو علة أو مقتضى ومن هنا تكرار حدث حدث هو استمرار لظاهرة الثبات في حركة الأحداث وهذا معنى التوازن.
وتوضيح ذلك أن من أحاديث البدء والأعادة هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويفشو الزنا [1] ، فنلاحظ العلاقة بين الأحداث، وإن كان كل حدث بذاته يمثل علامة إلا ان مجموع الأحداث محكومة بحقيقة السبب والنتيجة والعلة والمقتضي، فرفع العلم سبب لتزول الجهل، ونزول الجهل سبب في كثرة الزنا، وهذا هو المقصود بالعلاقة بين الأحداث.
ولتوضيح هذا المعنى أيضا حديث أخر وهو حديث الجهاد بعد قتال الجدال ويذكر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وتضع الحرب أوزارها، وتنبت الأرض نباتها بعهد ادم، ويكون الثور بكذا وكذا، وتكون الفرس بالدريهمات) ، قالوا: يارسوال الله، وما يرخص الفرس؟ قال رتركب لحرب أبدا، قيل: فما يغلي الثور؟ قال تحرث الارض كلها [2] فنجد ان توقف الجهاد تبعه حرث الأرض، ذلك لن العلاقة المتقابلة بين الجهاد والزراعة هي الأساس الذي بني عليه ترتيب العلامات في اخر الزمان كما في هذا الحديث أما دليل التقابل فهو مأخوذ من عدة أحاديث منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم [3] وقول النبي صلى الله علية واله وسلم في اله الزراعة الذي أورده البخاري في باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بألة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به: عن أبي أمامة الباهلي قال ورأي سكة [4] وشيئا من ألة الحرث، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل) [5] .
والمعنى الثاني للتوازن في حقيقة البدء والإعادة.
هو التطابق الكامل في إعادة الآحداث وتكرارها بحيث لايكون الأمر مجرد تشابه أو تقارب إذ أن معنى عودة الحدث هو تكراره بعينه، وإعادته بصورة مطلقة، دليل ذلك أن عودة الإنسان إلى الله إنما يكون كما بدأه الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وأنه أول من يكسي من الخلائق إبراهيم، وأنه بأناس من أمتي ذات الشمال ... ) [6] .
وقد وضح من الحديث أن إعادة الإنسان ستكون مثل البداية حتى أن الجزء الذي قطع منه في الختان سيعود إليه وهو معنى غرلا.
(1) البخاري في العلم (178/ 1) ، وغيره، ومسلم في العلم رقم (2671) ، والترمذي في الفتن رقم من 2205 حديث أنس.
(2) أخرجه بن ماجة في الفتن 4077 من حديث أبي أمامة الباهلي وسنده ضعيف
(3) أخرجه أبو داود في البيوع (335 - 336/ 9) ، واللفظ له واحمد في المسند (28/ 2) من حديث ابن عمر وسنده وحسن.
(4) في لسان العرب: السكة في هذا الحديث الحديدة التي يحرث بها الارض وقريب من هذا الحديث الأخر: العز في نواصي الخيل والذل في أذناب البقر.
(5) تفرد به البخاري فأخرجه في الحرث والمزارعة (4/ 5) من حديث أبي أمامة صدي بن عجلان.
(6) البخاري في الرقائق (377/ 11) ، ومسلم في فناء الدنيا (194/ 17) من حيث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما.