الصفحة 31 من 164

غير ان هناك حديثا في البدء والإعادة يدل على أن التكرار ليس فقط من خلال الشكل ولكن أيضا من خلال الحركة الدقيقة، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لاتقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على هذه الخصلة) [1] وهكذا تكون الدقة المطلقة في الإعادة والتكرار: ذو الخصلة تضطرب اليات نساء دوس عليها كما كانت في الجاهلية تماما.

والمعنى الثالث للتوازن في حقيقة البدء والإعادة:

هو ثبات مستويات البدء والإعادة ابتداء بمستوي العمر الفردي للأنسان، فمن حيث العلم يولد الإنسان لايعلم شيئا وفيه يقول الله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [2] ثم يعود لايعلم شيئا: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) [3] ، ومن حيث القوة والضعف يولد الأنسان ضعيفا ويعود ضعيفا لقوله سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [4] . وأنتهاء بالبدء والإعادة على مستوي التاريخ الطبيعي لعمر الإنسان على الأرض وفيه يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الحشر من عدن: تخرج من قعر عدن ترحل الناس إلى المحشر [5] فهذا الحديث يدل دلالة تامة على دقة البدء والإعادة.

إذ أن عدن وهي المكان الذي بدأ منه الوجود البشري [6] هو نفسه المكان الذي ستبدأ منه نهاية هذا الوجود. والمعنى الرابع للتوازن في حقيقة البدء والإعادة هو التوافق:

فإذا كان البدء والإعادة هو التطابق التام لدورة الأحداث بمستوياتها الثابتة، فإن التوافق هو التماثل التام لحدث معين في تلك الدورة.

وللتوافق أمثلة في واقع الدعوة الإسلامية لعل أهمها (التوافق العددي) بين أهل بدر والذين قاتلو مع طالوت فقد روي البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل، وزهير، والثوري عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: (كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمائة) [7] .

وكذلك توافق أهل بدر وأصحاب المهدي المنتظر بدليل حديث على بن أبي طالب الذي رواه الحاكم [8] على شرط مسلم: عن محمد بن الحنيفة: (كنا عند على رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي؟ فقال: هيهات، ثم عقد بيده سبعا فقال: ذلك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل: الله، قتل، ويجمع الله له قوما قزع كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم فلا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد دخل فيهم، عدتهم عدة أهل بدر لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون. وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر) .

(1) البخاري في الفتن (76/ 13) ، ومسلم في الفتن أيضا (2906) من حديث أبي هريرة.

(2) النحل: 78

(3) الحج: 05

(4) الروم 54

(5) الحديث انفرد بأخراجه مسلم الفتن (2901) من حديث حذيفة بن أسيد وهو عند أهل السنن الأربعة.

(6) وذلك طبقا للرأي القائل بأن جنة آدم كانت على الأرض وقد أورد ابن القيم هذه المسألة في مفتاح دار السعادة.

(7) البخاري في المغازي (290/ 7) (باب عدة أصحاب بدر) . خالص

(8) أخرجه الحاكم في الفتن (554/ 4) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت