الصفحة 32 من 164

ولعل أهم أمثلة التوافق أيضا، (التوافق الزمني) بين نجاة نزح بالسفينة، ونجاة موسى من فرعون في يوم عاشوراء كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: (ما هذا؟) ، قالوا: اليوم الذي نجي به موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فرعون، وهذا يوم استوت السفينة على الجودي فصام نوح وموسي شكرا لله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أحق بموسي وأحق بصوم هذا اليوم) [1] .

والتوافق ليس بظاهرة مجردة ولكنها ذات فاعلية قدرية ولها مقتضياتها المنهجية:

أما دليل الفاعلية فهو أن التوافق الزمني بين دعاء المؤمنين ودعاء الملائكة يحقق المغفرة من الله عز وجل وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله ما تقدم ذنبه) [2] .

أما المقتضي المنهجي لحقيقة التوافق فله صيغ متعددة، أولها: تحقيق التوافق في واقع الدعوة القائم مع واقعة تاريخية طيبة. والمثال الواضح على ذلك هو دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ساجدا وأمره للصحابة بأن تقول كلمة (حطة) ، وقال لهم إنها الكلمة التي أمر الله بها إسرائيل أن يقولوها.

ومن صيغ المقتضي المنهجي للتوافق الصيغة التعبدية وهي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء، كما جاء جاء في حديث التوافق بين نجاة نوح وموسي في هذا اليوم، وصيام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليوم من أجل ذلك. وقد مر الحديث آنفا.

وأهم الشعائر التعبدية قائمة على حقيقة المناسبة والتوافق مع كل الأحداث الطيبة، فكان من مناسك الحج الطواف بين الصفا والمروة توافقا مع ما فعلته أم إسماعيل عندما كانت تبحث عن الماء، وكان رجم إبليس توافقا مع ما فعله الخليل إبراهيم عندما حاول منعه ذبح ابنه إسماعيل؛ وغير ذلك من المناسك.

وهناك وجه آخر لصيغة المقتضي المنهجي للتوافق وهي ترك التوافق مع أحداث الشر تفاديا للآثر السىء، ومثال ذلك التوافق المكاني مع أهل العذاب، وفيه النهي عن الدخول على القوم الذين عذبوا.

قال الإمام أحمد: (عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقي التاس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجلوا ونصبوا القدور فأمرهم رسول الله فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال لهم: إني أخشي أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم) [3] .

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجز: (لا تدخلو على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم) [4] .

والأساسية الثانية للتوازن بعد حقيقة البدء والإعادة هي حقيقة السببية:

ب) السببية:

ودلالة السببية في إظهار أسماء الله وصفاته متعلقة باسم (القيوم، الغني) ؛ ذلك أن (القيوم) ، تعني القيام بالنفس أي الوجود كله أسباب ومسببات قائمة ببعضها؛ وليس في هذا الوجود عنصر خارج عن صفة السببية.

(1) أخرجه أحمد في المسند (359 - 360/ 2) ، وهو في البخاري في الصوم (213/ 4) ، ومسلم في الصيام (1125) من حديث عائشة

(2) البخاري في (صفة الصلاة) (262/ 2) ، و الدعوات ومسلم (409) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(3) المسند (117/ 2) من حديث نافع عن ابن عمر وسنده صحيح وهو في الصحيحين أيضا وفي المسند بمعناه رقم (4561) ، وهو صحيح أيضا، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه.

(4) البخاري في الأنبياء (378/ 6) ، ومسلم في (الزهد والرقائق) ، (2980)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت