الصفحة 33 من 164

وكذلك اسم (الغني) ، حيث أن افتقار المسببات إلى أسبابها يشمل كل المخلوقات فمشيئته هي السبب في الحقيقة وما يشاهد أو يعلم من الأسباب مجرى لنفوذ المشيئة لا أنه مؤثر وفاعل. فالوسائط لا بد أن تنتهي إلى أول سبحانه قدر المقادير، وكتب الآثار والأعمال، والشقاء والسعادة، والثواب والعقاب، حيث لا وساطة ولا سبب ولا علة.

كذلك اسم الله (الأول) ، و (الآخر) ، فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب، والوقوف والالتفات إليها، وتجريد النظرإلي مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدىء في الإحسان من غير وسيلة من العبد إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده. وأى وسيلة كانت هناك وهو عدم محض وقد أتي عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا. فمنه سبحانه الإعداد ومنه الإمداد وفضله سابق على الوسائل. والوسائل من مجرد فضله وجوده ولم تكن بوسائل أخرى. فمن نزل باسمه (الأول) على هذا المعنى أوجب فقرا خاصا وعبودية خاصة وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرين، ويبقي الدائم الباقي بعدها. فالتعلق بها تعلق بما يعدم ويتقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق أن لا يزول، ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفني به. كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها، وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقي بعد الأسباب كلها، فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه.

فتأمل عبودية الأسمين وما يوجبانه من صحة الاضرار إلى الله وحده، ودوام الفقر إليه دون كل شئ سواه، وأن الأمر أبتداء منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لاسبب ولا وسيلة وإليه تنتهي الأسباب والوسائل فهو أول كل شئ، وأخره.

ولما كانت السببية هي الصيغة الكونية للأظهار، وكانت هذه الصيغة متضمنة لحقيقة الحكمة.

لذا يقول ابن القيم: إن الذي يخلقة الله سبحانه بقدره من الأمور نوعان: غايات وسائل، وقد اقتضت حكمته أن الوسائل تضمحل وتبطل اذا حصلت غايتها، ولذلك يعرف ابن القيم الحكمة بقوله الحكمة حكمتان علمية وعملية فالعملية الاطلاع على بواطن الاشياء ومعرفة ارتباط الاسباب بمسسبباتها خلقا وامرا وقدرا وشرعا ثم يعرف ابن القيم الدرجة الأولى من الحكمة فيقول: أن تعطي كل شئ حقه، ولاتعديه حده، ولاتجعله وقته، ولاتؤخر عنه، ثم يشرح ذلك بقوله هذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا فإضاعتها تعطيل للحكمة، بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض، وتعدي الحد في سقيها عن حاجاتها بحيث يغرق البذر والزرع، ويفسد وتجعيلها عن وقتها كحصاده قبا ادراكه وكماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت