ومن هنا يعرف ابن القيم التوكل: بأنه القيام بالاسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد انه بيده فإن شاء امتنع اقتضائها، وإن شاء جعلها مفضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام موانع وصورا فتعارض اقتضتاءها وتدفعه، وقد جمع لضد أحكامها، وإن شاء أقام موانع وصورا فتعارض أتقضاءها وتدفعه، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم: (إحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) [1] ، فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالسبب، ونهاه عن العجز وهو نوعان: تقصير في الاسباب وعدم الحرص وتقصير في الاستعانة بالله وتجريدها فالدين كله ظاهر وشرائعه تحت هذه الكلمات والله اعلم أثبات مبدأ السببية الحقيقية من حقائق الوجود الكوني له صيغ قدرية متعددة من أمثلتها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أراد أن تتحقق معجزة الاسقاء لشرب الصحابة كان حريصا على أن يبقي بقية من الماء ليضع فيه أصابعه وبطبيعة الحال فأن الأمر إذا كان خارقا فلا يمنع أن يأتي المال من غير هذه البقية، لكن بقية المال هنا تمثل مبدأ السببية ومن هنا جاءت كل الأحاديث الواردة في نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدة على بقية الماء التي يضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيها.
ومنها هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: (كنا نعد الأيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة ماء فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل في الأناء ثم قال: حي على الطهر المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم) [2] .
ومما يؤكد مبدأ السببية ما كان في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام عندما وجد يعقوب ريح يوسف وفيه قوله الله عز وجل: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) .
والمعنى المأخوذ من الآية ان يعقوب لم يجد ريح يوسف الا عندما فصلت العير، وفصل العير هي مفارقة البلد التي كانت فيها ودخولها إلى البلد الذي فيه يعقوب، وبمجرد دخول العير إلى البلد ليس سببا طبيعيا لوجود يوسف إذ أن الآمر معجزة أو خارقة ولكن إثباتا لمبدأ السببية لم يجد يعقوب ريح يوسف إلا بعد أن فصلت العير
ومنها قوله سبحانه لمريم بنت عمران وهي نفساء: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) ، مع ان النساء في حالة الوضع ليس بهن قوة، بل ان الرجل الشديد لو هز نخلة ما استطاع ان يسقط منها رطبا، واثباتا للسببية إلى يوم البعث يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث اخر الزمان قوله: ينزل ماء من السماء يشبه المني فينبت الإنسان من الأرض بأذن الله [3] .
ذلك إنه لما كان المني سبب في الخلق الأول كان الماء الذي سينزل من السماء للبعث وهو الخلق الثاني شبيها بسبب الخلق الأول، وفي هذا إثبات لمبدأ السببية في كل مراحل الخلق والوجود.
(1) انفرد به مسلم فرواه في القدر رقم 2664 من حديث أبي هريرة وطرفه: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص
(2) أخرجه البخاري في المناقب (587/ 6) علامات النبوة، وهو عند الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: هذا الحديث مما انفرد به البخاري دون مسلم.
(3) البخاري في التفسير (689 - 690/ 8) سورة النبأ ومسلم رقم (2955) في الفتن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل الأحكام هي بذاتها قواعد الوجود الكوني: واتفقا أن أرتباط هذا الوجود مع غاية الأظهار هي التي تنشأ عنها حقائق الأظهر.