والأساسية الثالثة للتوازن بعد حقيقة البدء والإعادة وحقيقة السببية هي حقيقة السنن:
ج) السنن:
اتفقا ان اظهار آثار أسماء الله وصفاته في الخلق له أحكام كونية، وأ ن هذه وحقائق الأظهار بالنسبة للوجود إما أن تكون معلقة بأصل الوجود مثل التنوع والتقابل، أو متعلقة بحركة الوجود مثل التدافع التبادل أو المتعلقة بتوازن تلك الحركة مثل البدء والإعادة والتوافق، فإذا أضيف إلى هذه المفاهيم أن الوجود (الكوني والبشري) له مرحلة ثابته هي البدء والاستمرار والنهاية فان السنن تكون (هي مجموع حقائق الاظهار في الوجود الكوني والبشري بصفته الاساسية مادة وحركة وتوازن وبصفته المرحلية(بدءا واستمرارا وانتهاءا)
ولا تخرج السنن عن هذا التعريف، وبمقتضي هذا التعريف تتوافر في السنة عدة خصائص بأن تشمل السنة الواقع الكوني والبشري وهي مانسميها خصيصة العموم، وأن لايكون للسنة انقطاع زمني وهي مانسميها خصيصة الدوام، وأن لايكون للسنة تبديلا وهي مانسميها خصيصة الثبات، وأن لايكون للسنة تحويلا وهي مانسميها خصيصة الأطلاق.
وحقيقة السنة هي التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، وعلى أساس هذه الحقيقة يكون الاستدلال بالسنة إذ يقول ابن تيمية: وحقيقة الأستدلال بسنته وعادته هو اعتبار الشئ بنظيره، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين وهو الاعتبار المأمور به القران كقوله تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) ، وقوله عز وجل: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وإنما تكون العبرة بالقياس والتمثيل، فإذا عرفت قصص الأنبياء ومن اتبعهم ومن كذبهم وان متبعيهم كان لهم النجاة والعافية والنصر والسعادة، ولمكذبيهم الهلاك والبوار جعل الامر في المستقبل مثلما كان في الماضي فعلم أن من صدقهم كان سعيدا، ومن كذبهم كان شقيا، وهذه السنة الله وعادته ولهذا يقول الله في تحقيق عادته وسنته وانه لا ينقصها ولا يبدلها (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ) .
هذا تطبيق الاعتبار والقياس ثم قال: (أم لكم براءة في الزبر) ، ففي الدليل العقلي والسمعي، فيقول إذا لم يكونوا خيرا منهم فكيف ينجو من العذاب مع مماثلتهم لهم.
والتسوية بين المتامثلين والتفريق بين المختلفين هي أساس كل القوانين العقلية والعلوم النظرية، ولهذا يقول ابن تيمية في النبوات أيضا: أصل العلوم العقلية النظرية اعتبار الشئ بمثله، وان الحكم حكم بمثله فإذا جوزتم ان يكون الشيئان متماثلان من كل وجه، وأن العقل يجزم ثبوت أحدهما وانتفاء الآخر كان هذا قد جافي أصلا كل علم وعقل.