وليس لحقيقة النة أي أستثناء في الخلق والوجود حتى معجزة الأنبياء التي قد تفهم على أن معناها قائم على خرق السنة؛ فإننا نجد أن معناها لا يقوم أصلا إلا على أساس حقيقة السنة، فيقول ابن تيمية: وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة وبرهان عليها، فلا بد أن يكون مختصا بها، ولا يكون مشتركا بين الأنبياء وغيرهم، فإن الدليل وهو مستلزم لمدلوله يجب ألا يكون أعم وجودا منه، فآية النبي لا تكون لغير الأنبياء لكن إذا كانت معتادة لكل نبي أولكثرة من الأنبياء لم يقدح هذا فيها فلا يضرها أن تكون معتادة للأنبياء. وكون الآية خارقة للعادة أو غير خارقة هو وصف لم يصفه القرآن أو الحديث ولا السلف. وقد بينا أن هذا وصف لا ينضبط، وهو عديم التأثير فإن نفس النبوة معتادة للأنبياء خارقة للعادة بالنسبة إلى غيرهم، والرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته التي قال فيها: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) ، وقال: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) .
وهي التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين. فهو سبحانه إذا ميز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره ويختصه بها، قرن بذلك من الأمور ما يمتاز عن غيره ويختص به. ولا ريب أن النبوة يمتاز بها الأنبياء ويختصون بها، والله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، فمن خصه بذلك كان له من أهل الاختصاص بالنبوة، وتلك سنته وعادته في أمثاله يميزها بخصائص يمتازون بها عن غيرهم ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص الذين هم الأنبياء مثلا فلم تكن له سبحانه عادة بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم حتى يقال إنه خرق عادته ونقضها بل عادته وسنته المطردة أن تلك الآيات لا تكون إلا مع النبوة والإخبار بها مع التكذيب بها أو الشك فيها. كما أن سنته وعادته أن محبته ورضاه وثوابه لا يكون إلا لمن عبده وأطاعه، وأن سنته وعادته أن يجعل العافية للمتقين، وسنته وعادته أن ينصر رسله والذين آمنو كما قال تعالى: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) .
بعد أن علمنا أن السنة، بأعتبارها تسوية بين المتماثلين وتفريق بين المختلفين تكون بذاتها تحقيقا للتوازن، نعلم الآن كيف أن السنة بمقتضاها في الواقع تحقيق لهذا التوازن، والوجود البشري على الأرض هو الواقع التطبيقي لمفهوم التوازن في السنة لذا سنأخذه مثلا لشرح مقتضى السنة.
فنقول: ولما كانت الأرض للإنسان: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) . كانت سنن الوجود الكوني قائمة على هذا الأصل فكان أى وجود لغير الأنسان إما أن يكون مسخرا (أى تابعا له) ، وإذا لم يكن مسخرا كان خافيا.
وفي هذا يقول ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) : ثم تأمل حكمة عجيبة جعلت للبهائم والوحوش والسباع والدواب على كثرتها، لا يرى منها شيء، وليست شيئا قليل فتختفي لقلتها بل قد قيل إنها أكثر من الناس0 واعتبر ذلك بما تراه في الصحاري من أسراب الظباء والبقر والوعول والذئاب والنمور ودروب الهوام على اختلافها وسائر دواب الأرض وأنواع الطيور التي هي أضعاف أضعاف بني آدم لا تكاد تري منها شيء.