الصفحة 54 من 164

ذلك أن الحق هو أصل قيام الحضارة في التصور الإسلامي؛ الحق المستمد من السماء الذي يتم به انتفاضة البشرية من بين ركام (الجاهلية) ، والذي يتم به الالهام وتحقق البصيرة في ظلمة (الجاهلية) ، والذي يتم به تكوين الفئة القليلة الأولى المنشئة للأمة الجديدة والتي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ولن تزال طائفة من أمتي قائمة بهذا الدين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) [1] والتي ترتبط بهذا الحق ارتباطا وجدانيا وسلوكيا كاملا وهي الفئة التي ستتحمل مرحلة المواجهة بين الأمة الجديدة وبين (الجاهلية) من خلال الدعوة إلى هذا الحق، ثم غلبة هذه الفئة، وتكوين الدولة وامتدادها العسكري، ثم مرحلة النمو الاجتماعي (الإداري، الاقتصادي، السياسي) .

البناء الحضاري:

وعلى أساس العلاقة بين مفهوم الحضارة والحق يمكن القول أن البناء الحضاري في التصور الإسلامي له ثلاث مرتكزات.

أ) الكتاب الذي يمثل في البناء الحضاري ارتباط المنهج بالحق.

ب) الحكم الذي يمثل في البناء الحضاري ارتباط السلطة بالحق.

ج) النبوة التي تمثل في البناء الحضاري ارتباط الإنسان بالحق، باعتبار النبوة هي البداية الإنسانية للحق ثم الحواريون والمصلحون والدعاة.

ومن هنا يمكن القول بأن البناء الحضاري هو مضمون قول الله عز وجل: (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) .

وارتباط مفهوم الحضارة بالحق له صيغة محددة وهي ارتباط الحضارة من حيث الأصل بالرسالات السماوية. ومن هنا فإن الحضارة هي الصيغة النهائية للأمة ذات الرسالة السماوية بوجودها الثابت وغايتها التامة.

ولذا يقول (توينبي) ، وهو مصيب في هذا القول: (إن التاريخ هو طريق الإنسانية إلى الله) ، حتى يصبح تعريف الحضارة من خلال حقائق التوافق بينها وبين مفهوم الأمة أساسا لأزما لهذا التعريف.

الزمن الحضاري:

فلكل أمة أو حضارة زمان، ودليل هذه الحقيقة هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، قال: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور(انفرد به البخاري في كتاب الإجارة من العصر إلى الليل) [2] .

ومن ارتباط كل أمة بالحق الذي قامت به أصبح لكل أمة أجل بدليل قول الله عز وجل: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) ، وأن حقيقة الأجل ليست منطبقة فقط على الإنسان بل تنطبق على الأمة مرورا بالإنسان والحيوان، وانتهاء بأي موجود، سواء حيوان أو نبات أو جماد، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لهذه الأشياء أجلا) [3] يقصد الآنية.

(1) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، منها في الاعتصام (293/ 13) ، ومسلم (66 - 67/ 13) في الإمارة كلاهما من حديث معاوية بن أبي سفيان، والحديث ورد عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة هذا أحدها وهو لفظ مسلم

(2) أخرجه البخاري في الإجارة (445/ 4)

(3) أخرجه أبو نعيم في حليته (26/ 10) من حديث كعب بن عجرة مرفوعا: (لا تضربوا إماءكم على إناءكم فإن لها آجالا كآجل الناس)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت