الصفحة 55 من 164

فالأجل حقيقة كل موجود أما أجل الأمة وارتباطه بالحق فله اعتباران: اعتبار الوجود ذو الفاعلية الناشئة عن الارتباط بالحق، واعتبار الوجود المجرد من الفاعلية بعد الانفصال عن الحق.

وقد تنتهي فاعلية الأمة ويبقي وجودها المجرد: مثال الأمة اليهودية والنصرانية اللتين ستبقيا إلى قيام الساعة دون أي مضمون حضاري لانفصالهما عن الحق.

المجال الحضاري:

وكما حدد الحق أجل الأمم حدد مجالها. وما نعنيه بالمجال هو المكان والعرق؛ فلكل أمة أو حضارة مكان ارتبط قدر وجودها به ارتباطا يصل إلى حد الرمز لها في القرآن الكريم، فجاء قول الله عز وجل: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) .

دليلا على هذا الرمزية حيث أن الآيات ترمز للأمة النصرانية واليهودية والإسلامية بهذه الرموز المكانية.

ولما كان لكل أمة حضارية مجال أوجدها الله للعمل فيه، فإن تجاوز الأمة لذلك المجال يعني نهايتها، ولعل المثال التاريخي على ذلك هو الأمة النصرانية حيث أن عيسى عليه السلام كان نبيا لبني إسرائيل، وكان هذا مجال الأمة، فكانت بداية النهاية لهذه الأمة عندما حاول أصحاب هذه الديانة الالتقاء مع الوثنيين الرومان والخروج عن حدود مجال بني إسرائيل وكذلك لكل أمة حضارة ارتباط عرقي، فاليهود ارتباطهم العرقي، قدرا، هو بنو إسحاق، والنصارى ارتباطهم العرقي، قدرا، هو بنو الأصفر (الروم) ، والمسلمون ارتباطهم العرقي، قدرا، هو بنو إسماعيل، ومنهم قريش، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الناس تبع لقريش خيرهم لخيرهم، وشرهم لشرهم) [1] .

مفهوم الولاء الحضاري:

وارتباط مفهوم الحضارة بالحق، من حيث النشأة والصراع والامتداد، أوجد حقيقة هامة في إطار التفسير الإسلامي للتاريخ، وهي حقيقة (الولاء الحضاري) بين الحضارات التي قامت بالحق في الواقع البشري حيث ينبثق من مفهوم الولاء الحضاري تصور جميع حضارات الحق بتصور واحد يبلغ درجة الحضارة الواحدة.

فهذه الحضارات واحدة في أصلها بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات ديننا واحد وأمهاتنا شتى) [2] .

وهذه الحضارات واحدة في بنائها بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثل الأنبياء كرجل بني دار فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضوع اللبنة) ، وفي رواية: (فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين) [3] .

وقد ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شواهد متعددة لمفهوم الولاء الحضاري ولعل من تلك المواقف القائمة على هذا المعنى صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء لما علم أنه اليوم الذي نجي الله فيه موسى من فرعون.

ومنها تركه صلى الله عليه وسلم للجن الذي وقع أسيرا في يده لما تذكر دعوة سليمان [4] : (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) .

وكما تحدد مفهوم الحضارة، من خلال الارتباط بالحق يتحدد مفهوم الانهيار الحضاري بفقد هذا الارتباط.

الانهيار الحضاري:

(1) البخاري في الأنبياء (526/ 6) ، ومسلم في الأمارة (1818)

(2) سبق تخريجه

(3) البخاري في (الأنبياء) [558/ 6)، ومسلم في الفضائل (2285) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(4) البخاري في مواضع من صحيحه منها في (الأنبياء) [457/ 6) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت