ويكون تقييم هذه المرحلة بعد اعتبارات اهمها الترف، والعلو في الأرض بغير الحق وهو الأمر الذي يقتضي الخفض، وهذا هو الخط الأساسي للأنهيار يليه فقد الالتزام بالمضمون الحضاري، وهو الرسالة أو المنهج الذي قامت به تلك الحضارة، وبعد هذا التصور المرحلي للانهيار يجئ التحديد خطوط الانهيار، والخط الأول فيه هو ضياع الالتزام التكليفي، وكنا قد اتفقنا على أن مرحلة الحواريين والفئة القليلة المرتبطة وجدانيا بهذا المنهج هي من أهم عناصر البناء الحضاري.
وعندما يبدأ الانهيار فإن هذا الخط يتحدد من خلال عدة نقاط:
الأول: فقد الالتزام الوجداني (مرحلة إلهام الحواريين بالطاعة) ؛ الدخول في مرحلة الالتزام التكليفي ... (أي الالتزام وبصفة تكليفية بحتة غير ألهامية أو وجدانية.
ثم ... البدء في مرحلة الحيل التكليفية ... وهي مرحلة الخروج عن الشرع من خلال الشرع ذاته.
ثم توقفها ...
ثم البدء في مرحلة الجحود التكليفي، والخروج عن الشرع من خلال تبديل الشريعة ...
وقد حدد القرأن الكريم خط الانحراف التكليفي العام بقوله الله عز وجل: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) ، (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) .
ويوازي هذا الخط ضياع الغاية الاعتقادية، وهي غاية الحضارة التي هي غاية الوجود الأنساني وهي تحقيق العبودية البشرية في الأرض لله رب العالمين، وهذا التوازي هو الذي ورد في قوله الله عز وجل: (أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) . هذه هي الأسباب الرئيسية للانهيار الحضاري يتبع هذه الأسباب أن تفقد ويبقي لها وجود المجرد لينتهي ذا الوجود المجرد بالانهيار التام أو الهلاك.
والفرق بين فقد الفاعلية وفقد الوجود المجرد مرده إلى الأجل المكتوب لكل أمة أو حضارة، وهذا الفارق هو فترة استحقاق الهلاك وتأجيله حتى تظهر الحضارة البديلة والأمة الجديدة، وهذه حكمة الأجل في اهلاك الأمم وانهيار الحضارات، وهي في الوقت نفسه فكرة تحول الحضارة إلى المحض الذي يقتضي العدم.
الأصل الرابع؛ الإنسان:
وكما ارتبط مفهوم الحضارة من خلال حقيقة الامة: فان كذلك لايكون.
إلا من خلال الصيغة الاجتماعية لتلك الأمة، وانطلاق من أن الحد النهائي للحضارة هو الأمتداد العسكري للدولة مع نموها الاداري والاجتماعي والسياسي فإنه لا يكون إلا من خلال الانسان.
ونصوص الكتاب والسنة تحدد أهم المفاهيم الحضارية المؤيدة للمفهوم القائل بأن الأنسان هو مرتكز الحضارة حيث جاء قول الله عز وجل: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) .
بأعتبار أن الأعراب هي النوعية المنفصلة عن اطار الواقع الحضاري للدولة الإسلامية وهو البدو الرحل الذين كانوا في مواقع متناثرة من الصحراء من مكة أم القري والمدينة، وكما انفصلت الأعراب عن واقع الدولة انفصلت كذلك عن حركتها وامتدادها العسكري فكان الأعراب هم المخلفين وفي هذا جاء قول الله: (قلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ) ، وكنتيجة لانفصال العرب عن واقع الدولة كان التخلف الأجتماعي فجاءت الحضر مقابل السفر وباعتبار أن السفر هو الظرف المؤقت المانع لصاحبة من الاستقرار الإجتماعي والذي يجيز للمسافر القصر في الصلاة فارتبط بذلك معنى الأستقرار الإجتماعي بمفهوم الحضر أو الحضارة.
ولاجل ارتباط الحضارة بالأستقرار الأجتماعي فإن الإسلام يعالج الفارق الحضاري بين الدولة باعتبارها قمة الأستقرار، وبين واقع هؤلاء الأعراب باعتبار بعدهم عن الدولة.