الصفحة 57 من 164

وأهم عناصر هذه المعالجة هو التحذير من أن تكون الدولة موضعا لتأثير الأعراب وعاداتهم وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لايغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم) [1] .

ومن العناصر تلك المعالجة واجب استيعاب آثار الفارق الحضاري بين الدولة والاعراب من الناحية السلوكية، ومن أمثلة ذلك حادثة الأعرابي الذي بال في المسجد والتي رواها البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدرامي ومالك وأبو أحمد، وفي نهي النبي الصحابة ان تقطع عليه بولته و وقال: لاتذرموهولاتقطعوا عليه بولته ثم أفهمه الخطأ بقوله: يا أخا العرب ماجعلت المساجد لهذا، وانما جعلت لعبادة الله حتى ان الاعرابي تأثر لحكمة النبي ورحمته فقال: اللهم ارحمني أنا ومحمد ولاترحم معنا احدا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لقد حجرت واسعا، يعني ضيق رحمة الله عز وجل بهذا الدعاء والأعرابي الذي جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له: أعطني من مال الله لامالك ولامال أبيك والاخر قال: يابني عبد مناف إنكم قوم مطل.

ويدخل في إطار واجب الاستيعاب مراعاة الناحية العقلية، ومن أمثلة ذلك الأعرابي الذي تصفه الصحابة بقولهم نسمع دوي صوته ولانفقه ما يقول، حتى جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: يامحمد، ثم يسأل ماذا فرض الله عليه في اليوم والعام والعمر فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص والحديث بنصه متفق عليه.

وفي النهاية يقرر النبي صلى الله عليه وسلم الأرتباط لبن البدارة والجفاوة، كحقيقة قدرية في الطبع الأنساني، فيقول: (من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل) [2] رواية: (من سكن البادية جفا) [3] .

ومن مجموع هذه النصوص المقارنة بين البداوة والحضارة نستطيع أن نقدم مثالا للسلوك الحضاري وغير الحضاري.

وأهم أمثلة السلوك الواردة في نصوص المقارنة أن الكفر والنفاق والجفاوة والقعود عن القتال وهي الصفات الأساسية للأعراب تعتبر سلوك غير حضاري وكذلك سلوك الإعرابي في المسجد، وكذلك سوء أدب الأعراب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلكل هذه الانماط السلوكية - بالمفهوم الإسلامي للحضارة - يعتبر سلوك غير حضاري.

وفي المقابل الايمان والصدقة والرقة والجهاد والرحمة والحكمة ومراعاة الفوارق العقلية واستيعاب رعونة الغير تعتبر - بالمفهوم الإسلامي للحضارة - سلوك وقيم حضارية، ثم يأتي الأصل الخامس لتفسير وهو مفهوم الفاعلية التاريخية.

الأصل الخامس؛ الفاعلية التاريخية:

(1) أخرجه مسلم في المساجد (644) ، وابو داود رقم (4948) في الادب والنسائي في المواقيت (27/ 1) من حيث ابن عمر وتمام الحديث: 00ألا انها العشاء وهم يعتمون بالأبل واخرجه البخاري في مواقيت 43/ 2 من حديث عبدالله المزني بلفظ، لاتغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال وتقول الاعراب: هي العشاء.

(2) أخرجه أحمد في المسند (371/ 2) ، وابن عدي في الكامل (312/ 1) من حديث ابي هريرة وفيه اسماعيل بن زكريا الكوفي أبو زياد وهو حسن الحديث، قال الهيثمي في المجتمع (246/ 5) : رواه أحمد والبزار، واحد اسنادي أحمد ورجاله رجال الصحيح، خلا الحسن بن الحكم النخعي وهو ثقة. ثم اخرجه أحمد (297/ 4) ، وأبو يعلي مختصرا ن البراء و وسنده صحيح.

(3) أما لفظة من سكن البادية فهي عند أبي داود في الصيد (2859) ، والترمذي في الفتن (2256) ، وصححه، النسائي في الصيد (195/ 7) ، واحمد في المسند (3362) كلهم من حديث ابن عباس، وسنده حسن لا كما يذهب إلى تضعيفه بعض أفاضل عصرنا وصححه الشيخ شاكر رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت