اتفقا أن الحضارة هي الصيغة النهائية للأمة: فإذا كانت الأمة هي الصيغة القدرية للوجود البشري وكانت علة الوجود البشري هي عبادة الله عز وجل فإن المفهوم الحضاري لايعني الا واقع الأمة ذات الفاعلية المحققة لعبادة الله في الأرض ويبقي مفهوم الحضارة ببقاء تلك الفاعلية.
وحتي تتحدد القضية بصورة حاسمة يجب أن يتحدد معنى الفاعلية: فالفاعلية هي المظاهرة القدرية لوجود الأمة، أو التأييد الرباني لبقائها ممثلة للحق في واقع التدافع البشري، وشواهد تلك الفاعلية بقاء المضمون المنهجي الذي قامت عليه الحضارة من حيث الابتداء، ثم بقاء المثال الواقعي القائم على هذا المضمون سواء كان واقع تمكن أو استضعاف، ذلك أن بقاء هذين المشهدين أثر قدري رباني وليس أثرا بشريا ومن هنا أصبح دليلا على المظاهرة القدرية والتأييد الرباني ومن هنا يخرج المفهوم الإسلامي للحضارة أي واقع بشري لايملك أدلة تلك الفاعلية.
والفاعلية التاريخية في التفسير الإسلامي هي الفاعلية الإلهية؛ وهذه الفكرة هي نقطة الضوء المكثفة التي يتضح فيها جوهرية الفرق بين التفسير الإسلامي والجاهلي للتاريخ، ذلك أن الجاهلية بكل اتجاهاتها لاتسعي إلا نحو جحود الفاعلية الألهية في تفسيرها للتاريخ، وقد اتضحت عناصر الفاعلية الإلهية من خلال العناصر الأساسية للحضارة إذ أن تلك العناصر هي بذاتها عناصر الفاعلية الالهية في التفسير الإسلامي للتاريخ وهي:
1)الحق المستمد بطريق النبوة والرسالة.
2)الالهام الالهي للحواريين (إذ أوحيت إلى الحواريين أن أمنوا بي وبرسلي) .
3)مؤازرة الفئة القليلة عند المواجهة.
4)غلبة الفئة أو التمكين لها في الأرض والفتح عليها وميراثها الأرض.
وبعد ذكر تلك العناصر الأساسية نأتي إلى أخطر الأفكار المرتبطة بمفهوم الفاعلية الإلهية، وهي فكرة الحتمية التاريخية الناشئة عن تلك الفاعلية، والتصور الإسلامي للحتمية التاريخية يتحدد من عدة جهات:
1)من جهة العلم الإلهي، فكل ما علم الله أنه سيكون لابد أن يكون.
2)من جهة الإرادة الإلهية, ان ماشاء الله كان ولم يشأ لم يكن.
3)من جهة الحكمة الألهية، أن علم الله بحكمة ما سيكون يدعوه سبحانه إلى فعله، وأن حكمته سبحانه هي الغاية المرادة لنفسها التي يفعل لأجلها.
4)من جهة كلام الله أن كل ما أخبر الله به مطابق لعلمه، وأن ما أخبر الله بوجوبه على نفسه وأقسم ليفعله لابد أن يكون.
5)من جهة الكتابة: أن ما كتبه الله في اللوح المحفوظ هو الذي يقع
6)من جهة الرحمة: أن الله كتب على نفه الرحمة
7)من جهة العدل: أن الله حرم الظلم على نفسه فلا يمكن أن يقع منه ظلم سبحانه فهذه سبعة أوجه تقتضي الجزم بوقوع ماسيكون، وأن ذلك حتم لابد منه، وقد وردت النصوص التي تؤكد مفهوم الحتمية من هذه الجهات، منها ماجاء به لفظا (حتما) ، كقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) ، وقوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) ، وقوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، وقوله تعالى: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) .
ثم نأتي إلى أخطر التفسير الإسلامي للتاريخ وهي:
الأصل السادس؛ الشيطان والتاريخ:
الشيطان يملك تجربة الوجود البشري من بدايته إلى نهايته ...
الشيطان يرفع العداوة والبغضاء بين البشر ...