ومنها تحقيق التقابل مع الحضارة الإسلامية المرتبطة في نشأتها وبقائها بالدين الصحيح كتقابل اليهودية والنصرانية مع الإسلام إلى قيام الساعة، فالتفسير الإسلامي لوجود اليهودية والنصرانية هو التقابل الديني مع الإسلام.
وأخيرا تضرب مثلا لحضارة ناشئة على دين صحيح وهي باقية رغم انتهاء هذا الدين إلى البطلان حيث يتضمن المثل جميع أسباب بقاء الحضارة بغير دين صحيح وهذا المثل هو الحضارة الرومانية.
فللحضارة الإسلامية مقابل سيبقي معها إلى قيام الساعة وهي المسيحية من حيث المحور الديني، والتي يوازيها من حيث المحور العرقي (الروم) ، وهم الأصل العرقي للحضارة المسيحية، وذلك بدليل هذا الحديث: (أشد الناس عليكم الروم ومهلككم مع الساعة) رواه أحمد [1] .
قال المستورد القرشي عن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) ، فقال له عمر: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعة: أنهم لأحكم الناس عند فتنه، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك) [2] .
ومن قول عمر: تتحدد خمس عناصر للبقاء الحضاري:
1)الحكمة عند الفتنة.
2)الإفاقة بعد المصيبة.
3)الكر بعد الفر.
4)رعاية الضعفاء.
5)منع الظلم.
وهذه العناصر الخمسة هي على وجه التحديد موانع الهلاك إذا وجدت أسبابه، فإذا كانت الفتنة، وهي أول أسباب الهلاك، كانت الحكمة وهي أول أسباب اخمادها وتفادي أثارها، وإذا كانت المصيبة كانت الإفاقة التي تمنع استمرارها، وإذا كان الفر والهزيمة كان الكر والمقاومة، ثم رعاية الضعفاء الدالة على أصالة الأقوياء، ثم الامتناع عن ظلم الملوك الذي هو أصل الهلاك ليكون العدل، وهو أهم شرط للبقاء، وهذه الحقائق الواردة في حديث مسلم عن عمر هي مثال لمنهج الاستقراء الذي تستنبط من خلاله حقائق الحضارة من تاريخ الأمم فيصبح قول عمر تفسيرا منهجيا لحقيقة قدرية أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم في الحضارة الرومانية.
الاختصاص الحضاري للأمة الإسلامية:
وباعتبار أن الأمة الإسلامية هي آخر الأمم وأن هذا زمانها القدري [3] . وأن مجالها القدري هو الأرض كلها؛ والبشر جميعهم فإن هذه الأمة باقية إلى قيام الساعة فكانت أوجه الاختصاص المتعلقة بهذه الحقيقة متعددة وأهمها:
(1) أخرجه أحمد في مسنده (230/ 4) ، وفي ابن لهيعة، وسنده حسن - كما قال السيوطي -
(2) مسلم في (الفتن) رقم (2898) ، وأحمد في مسنده (230/ 4) 0
(3) بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعلت اليهود ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعلت النصارى ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين ألا فأنتم الذين عملتم فغضب النصارى واليهود وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء؟! قال هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء) . رواه أحمد وقد رواه البخاري برواية قريبة منه وأورد ابن كثير الروايتين في تفسير قول الله تعالى في سورة الحديد: (يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) [الحديد: 28)، بدليل قول الله عز وجل: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء: 107)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وكل نبي لقومه خاصة وبعثت للناس كافة)