الصفحة 62 من 164

بقاء المضمون المنهجي للحضارة الإسلامية من خلال قدر الله بحفظ القرآن الكريم، كما قال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، ومن خلال رجال الحديث الذين حفظوا السنة بصورة بشرية خارقة بلغت حد المظاهرة القدرية المباشرة التي لم تحدث في أي أمة من الأمم.

بقاء المثال الواقعي لهذا المضمون المنهجي وهو جماعة الحق إلى قيام الساعة وهي الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لاتزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى ياتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) [1] .

وكما أن هذه الأمة باقية إلى نهاية الزمان فإن لها هي الأخرى نهاية وذلك لحتمية النهاية لكل الامم مما أنشأ أختصاصا آخر لهذه الأمة وهي أن هذه الأمة لاتهلكها أمة أخرى لأنها اخر الامم بل يهلك بعضها بعضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذه الأمة يهلك بعضها بعضا) [2] وهذا الأختصاص كان هو العلة التي يستجب لأجلها الله سبحانه وتعالى لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم للهم لاتجعل بأسهم بينهم شديد فلم يستجب لي.

وفي النهاية نأتي إلى مثال تطبيقي لنشأة حضارة جديدة في واقع حضارات قائمة، وهذا مثال هو نشأة الحضارة الإسلامية، وفيه نري خط العلاقة بين الحضارة الجديدة والقديمة من خلال عدة نقاط، فكانت النقطة الأولى في الحضارة الجديدة هي ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم التي قابلها في الحضارة القديمة تصدع ايوان كسري وانطفاء نار فارس.

ومن نقاط التقابل بين الحضارة الناشئة والحضارة المنهارة نلاحظ، بصفة أساسية، حقيقة المؤازرة التي تكون للحضارة الجديدة، ومن هنا كان التصور القدري متضمنا لمراحل النشأة الأساسية للحضارة، وهو المثال الوارد للأمة الإسلامية في الانجيل كما قال سبحانه وتعالى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) .

وأول حقائق المؤازرة الربط بين حياة الانبياء واتمام الرسالة وذلك ان لحياة أي نبي اعتبارين اعتبار شخصي واعتبار الرسالة، وهذا هو السبب في تخيير الأنبياء عند الموت بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم مانبي الا خيرا وقول النبي صلى الله عليه وسلم خير عبد بين الدنيا وبين ما عند الله [3] وكان النبي كان يقصد بذلك نفسه عليه الصلاة والسلام، فعندما تتم الرسالة يكون هذا إيذانا بأجل النبي، ودليل ذلك قول عمر: ما قولكم في قول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .

السورة فقال ابن عباس: ينبغي بها الله أجل النبي عليه السلام.

وعندما تتم الرسالة لا يبقي في حياة النبي إلا الأعتبار الشخصي، وفيه يخير الأنبياء.

وقد كان للمؤازرة، كفعل قدري خالص، صور متعددة.

منها بعثة النبي في نسب قومه بدليل تفسير قول الله: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) ، وفيه قول هرقل: وكذلك الأنبياء تبعث في نسب قومها بعد أن سأل أبا سفيان كيف نسبه فيكم قال: هو فينا ذو نسب - يقصد النبي صلى الله عليه وسلم.

(1) سبق تخريجه قريبا

(2) مسلم الفتن (2889) ، (2890) من حديث ثوبان رضي الله عنه

(3) البخاري في فضائل الصحابة (12/ 7) ، ومسلم في فضائل الصحابة. (2382) ، والترمذي في المناقب (3660)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت