الصفحة 63 من 164

ومنها التقاليد الثابتة في الواقع الذي نشأت فيه الأمة الجديدة التي كانت أهمها تقاليد الجوار والتي كانت سببا في حماية المسلمين من الفناء، والمروءة كذلك التي منعت قريش أن تترك المسلمين يموتون في شعب أبي طالب، والمروءة كذلك التي منعت قريش من الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته في محاولة قتله حيث حقق الامتناع فرصة ليأخذ على بن أبي طالب مكان الرسول صلى الله عليه وسلم في فراشه حتى نزل قول الله عز وجل: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) . فتحقق بذلك حفظ حياة النبي بصورة قدرية خالصة، ولذلك رفع النبي الحراسة عنه بعد نزول هذه الآية.

وتعددت الأخطار حول حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن العصمة غلبتها. ومن هذه الأخطار محاولة اليهود قتل النبي ونزول الوحي يخبره بأن يغير المكان الذي جلس فيه لأن اليهود ستلقي عليه حجرا، ومنها الرجل الذي جاء إلى النبي وهو نائم فرفع عليه السيف وقال: يا محمد من يعصمك مني: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله) ، فسقط السيف من يده فأخذه النبي السيف وقال: (من يمنعك مني؟) ، قال: كن خيرا مني، فعفا عنه ...

وقد كانت البعثة دليلا في ذاتها على حتمية انهيار الحضارة الرومانية، وهذا هرقل عظيم الروم يعلم بخبر البعثة عند ظهور نجم النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان الحوار الذي بينه وبين أبي سفيان والذي قال فيه هرقل لأبي سفيان: لو كان كما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وفيه قال أبو سفيان: لقد ظهر أمر ابن كبشة [1] يخشاه بنو الأصفر؛ وذلك بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى هرقل يدعوه فيها إلى الإسلام.

وفي انهيار الحضارة الرومانية والفارسية أمام الحضارة الإسلامية الجديدة كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات كسري فلا كسري بعده، وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده) رواه البخاري ومسلم [2] .

وفي المقابل كان انتصار الروم على الفرس تهيئة قدرية للواقع الذي نشأت فيه الحضارة الإسلامية؛ ومن هنا كان الربط بين غزوة بدر وانتصار الروم كما قال ابن عباس في تفسير: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ) .

ثم تأتي غزوة الخندق لتمثل بالنسبة للحضارة الإسلامية أقصي شدة فيرتبط بها قدر فتح الروم والفرس، فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبر الفتح عندما يضرب الحجرالذي لم يتمكن الصحابة من كسره في الخندق.

(1) وهو زوج حليمة السعدية التي أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) البخاري في الأنبياء (625/ 6) ، ومسلم في (الفتن) (2919) ، ولفظه (إذا هلك كسري فلا كسري بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت