الصفحة 64 من 164

فقد روي البخاري [1] عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا في الخندق فعرضت لنا كديه شديدة فجاؤوا النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنة معصوب بالحجر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا مهيلا وأصبح الحجر رملا لا يتماسك، وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لاتأخذ منها المعاول، فأشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء وأخذ المعول بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله لآني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فسقط أخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله لآبصر قصر المدائن الأبيض الان، ثم ضرب الثالثة: فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله لأبصر أبواب صنعاء من مكاني) . رواه النسائي وأحمد [2] .

ولما كانت غزوة الأحزاب هي أقصي شدة تعرض، المسلمون لها. كانت كذلك نقطة البدء في مرحلة الامتداد بعد الثبوت القدري لوجود الأمة الإسلامية، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد جلاء الأحزاب: (الان نغزوهم ولا يغزونا) ، رواه البخاري [3] عن سليمان بن الصرد.

ثم كان فتح مكة وهو اليوم الذي بلغ فيه الذين كفروا مرحلة اليأس من هذا الدين كما قال لله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) .

وفي النهاية نذكر ما قاله الأستاذ سيد قطب في مفهوم الحضارة: وبعد ... فإن قاعدة انطلاق المجتمع الإسلامي وطبيعة تكوينه العضوي تجعلان منه مجتمعا فريدا لا تنطبق عليه اية من النظريات التي تفسر المجتمعات وطبيعة تكوينها العضوي، والمجتمع الإسلامي وليد الجركة والحركة فيه مستمرة وهي التي تعين أقدار الأشخاص وقيمتهم، ومن ثم تحدد وظائفهم فيه ومراكزهم، والحركة التي يتولد عنها هذا المجتمع ابتداء حركة آتية من خارج النطاق الأرضي ومن خارج المحيط البشري، إنها تتمثل في عقيدة أتية من الله، والغايات تحدد لهم منهجا يترجم هذا التصور والدفعة الأولى التي تطلق الحركة ليست منبثقة من نفوس الناس، ولا من مادة الكون، إنها، كما قلنا آيته لهم من خارج النطاق الأرضي ومن خارج المحيط البشري، وهذا هو المميز الأول لطبيعة المجتمع الإسلامي وتركيبه إنه ينطلق من عنصر خارج محيط الأنسان وعن محيط الكون المادي، وبهذا العنصر القدري الغيبي إلى لم يكن أحد من البشر يتوقع أو يحسب في قيام المجتمع الإسلامي ويبدأ معها عمل الأنسان أيضا: أنسان يؤمن بهذه العقيدة الاتية له من ذلك المصدر الغيبي الجارية بقدر الله وحده وحين يؤمن انسان واحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الإسلامي (حكما) إن الأنسان الواحد لت يتلقي هذه العقيدة وينطوي على نفسه، إنه سينطلق بها، هذه طبيعتها، طبيعة الحركة الحية، ان القوة العاليا التي دفعتها إلى هذا القلب.

(1) البخاري في المغاري (395/ 7) من حديث جابر رضي الله عنه

(2) أخرجه أحمد في مسنده (303/ 4) من حديث البراء بن عازب والنسائي في السنن الكبري كما في تحفة الاشراف (65/ 2) ، وحسن الحافظ إسنادها في الفتح (397/ 7) .

(3) البخاري في المغاري (405/ 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت