الصفحة 65 من 164

تعلم أنها ستتجاوزه حتما، إن الدفعة الحية التي وصلت بها شدة العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدما، وحين يبلغ المؤمنين بهذه العقيدة ثلاثة تفر فإن هذه العقيدة ذاتها تقول لهم انتم الان مجتمع اسلامي منفصل عن المجتمع الجاهلي الذي لايدين له العقيدة ولاتسود فيها قيمتها الأساسية القيم التي أسلفنا الإشارة إليها، وهنا يكون المجتمع الإسلامي قد وجد فعلا، والثلاثة يصبحون عشرة، والعشرة يصبحون مائة، والمائة ألف، والألف يصبحون أثني عشر الف، ويبرز ويتقرر وجود المجتمع الإسلامي، وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع والوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمة، واعتباراته وانفصل بوجوده وكنيونته عن المجتمع الجاهلي الذي أخذ أفراده، وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع وأعطته وزنه ومكانه في المجتمع وحسب الميزان والاعتبار الإسلامي، ويكون وزنه هذا معترفا به من المجتمع دون ان يزكي نفسه أو يعلن عنه بل ان عقيدته وقيمه السائدة في نفسه وفي مجتمعه لتضغط عليه يومئذ ليواري نفسه عن الأنظار المتطلعة اليه في البيئة، ولكن الحركة التي هي طابع العقيدة الإسلامية وطابع هذا المجتمع لابد ان يتحرك، الحركة في عقيدته، والحركة في دمه، والحركة في مجتمعه، وفي تكوين هذا المجتمع العضوي لان الجاهلية من حوله وبقية من رواسبها في نفسه وفي نفوس من حوله والمعركة مستمرة والجهاد ماضي إلى يوم القيامة.

علي ايقاعات الحركة وفي أثناء الحركة يتحدد وضع كل فرد في هذا المجتمع، وتتحدد وظيفته، ويتم التكوين العضوي لهذا المجتمع بالتناسق بين مجموعة أفراده ومجموعة وظائفه. هذه النشأة وهذا التكوين خاصيتان المجتمع الإسلامي تميزاته تميزا في نظامه والاجراءات التفيذية لهذا النظام ايضا، وتجعلان هذه الملامح كلها مستقلة لا تعالج بمفهومات اجتماعية أجنبية، ولاتدرس وفق منهج غريب عن طبيعتها ولا تنفذ بأجراءات مستمدة من نظام اخر ...

والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالا متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة لأنها مقومات هذه الحضارة:(العبودية لله وحده، والتجمع على اصره العقيدة فيه، واستعلاء انسانية الانسان على المادة، وسيادة القيم الانسانية التي تنمي انسانية الانسان لاحيوانيته، وحرمة الاسرة والخلافة في الارض على عهد الله وشرطه، وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شئون هذه الخلافة.

3)علامات الساعة:

بعد عرض حقيقة ارتباط الخلق بالأسماء والصفات من خلال المجال الكوني انتهي موضوع الكتاب إلى المجال البشري، وتبين من مناقشة هذا المجال التفسير الإسلامي السلفي للتاريخ والحضارة، ولكن النهاية الطبيعية للتاريخ هي علامات الساعة، ثم قيامها لذا متدت حقائق ارتباط الخلق بالأسماء والصفات إلى تفسير هذا المجال فكان لابد من مناقشة تلك الحقائق من خلال علامات الساعة حتى قيامها، وتحديد التصور القدري لمرحلة النهاية المقدرة للوجود البشري.

وبادئ ذي بدء فإن الساعة بذاتها مجال له أهمية بالغة في اظهار كمال الأسماء والصفات ولذا يقول ابن القيم: جعل الله سبحانه وتعالى الدور ثلاثة: دار أخلصها للنعيم واللذة والبهجة والسرور، ودار أخلصها للألم والنصب وأنواع البلاء والشرور، ودار خلط خيرها بشرها ومزج نعيمها بشقائها ومزج لذاتها بألمها يلتقيان ويطالبان، وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار، وأجرى احكامه على خلقه في الدور الثلاثة بمقتضي ربويته والهيته وعزته وحكمته وعدله ورحمته فلو اسكنهم كلهم دار البقاء من حين أوجدهم لتعطلت أحكام هذه الصفات ولم يترتب عليها أثارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت