الصفحة 68 من 164

وقال الإمام القرطبي في تذكرته في مختصر التذكرة للشعراني [1] : قال بعض العلماء قد جاء في الروايات إذا خرج يأجوج ومأجوج وقتلهم الله بالنغف في أعناقهم وقبض الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام، وخلت الأرض منهم، وتطاولت الأيام على الناس، وذهب معظم دين الإسلام؛ أخذ الناس في الرجوع إلى عادتهم واحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى بينه وبينهم حجة عليهم، ثم قبضة الله تعالى، أخرج لهم الدابة من الأرض فتميز المؤمن من الكفار ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم، وليستبصروا، ويرجعوا عما فيه من الفسوق والعصيان، ثم تغيب الدابة عنهم، ويمهلون فإذا أصروا على طغيانهم طلعت الشمس من مغربها، ولم يقبل بعد ذلك من كافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب والتكليف عنهم، ثم كان قيام الساعة على أثر قريبا لأن الله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) . فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمنا طويلا.

مثال للإظهار الكوني - الدجال - ابن صياد:

وعند الكلام في مفهوم الإظهار تبينت لنا حقائقه وكان أهم هذه الحقائق هو التمثيل الكوني للحقائق الاعتقادية الغيبية. سواء كانت ظواهر مثل عودة الأسماك إلى أصلها. أو أوضاع مثل وضع سور بيت المقدس وتمثيله للسور الذي سيكون بين الجنة والنار.

وبتطبيق مفهوم الإظهار على علامات الساعة. نفاجيء بحقيقة خطيرة للغاية وهو أن هناك مثال كوني للدجال كحقيقة غبيية.

وهذا المثل هو الذي يحسم المشكلة الخلافية الخاصة بالعلاقة بين الدجال وابن صياد وأصل المشكلة أن هناك أحاديث صحيحة تؤكد أن ابن صياد هو بنفسه الدجال وأحاديث صحيحة تبين أنه ليس الدجال.

ومثال الأحاديث التي تؤكد أنه هو الدجال:

عن محمد بن المنكدر قال رأيت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحلف بالله: أن ابن صياد الدجال قال: قلت: أتحلف بالله؟ قال: فإني سمعت عمر يحلف بالله على ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره النبي صلى الله عليه وسلم.

عن نافع مولي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: (ولله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد) .

عن نافع ابن عمر: (لقيته مرتين - أي ابن الصياد - فلقيته مع قومه فقلت لبعضهم، هل تحدثون، إنه هو؟ قال: لا والله، قال: قلت: كذبتني والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموتن حتى يكون أكثركم مالا وولدا فكذلك هو زعموا اليوم قال: فتحدثنا ثم فارقته قال: فلقيته أخرى وقد نفرت عينه قال: فقلت متي فعلت عينك ما أري؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك قال: ان شاء الله خلقها في عصاك هذه قال - والقول لعبد الله بن عمر: فنخر كأشد نخير حمار سمعت، قال: فزعم بعض أصحابي أن ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت، قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثنا، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم انه قد قال؛ إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه) .

أما الأحاديث التي تنفي كون ابن صياد هو الدجال فأهمها حديث تميم الدراي الذي رأي الدجال موثوق في أحد الجزر.

وكما اختلفت الاحاديث الصحيحة كذلك كان رأي العلماء.

قال الخطابي: قد اختلفت الناس في أمر ابن الصياد اختلافا شديدا وأشكل أمره حتى قيل كل قول.

ثم قال: والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنته صلى الله عليه وسلم اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه بعد ان قدم المدينة كتب بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على الا يهاجروا، وان يتركوا على أمرهم وكان ابن الصياد منهم أو دخيلا فيهم.

(1) ص 141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت