فليس أدل عليه في الدجال من قول النبي صلى الله عليه وسلم: وتتبعه كنوز الذهب كيعاسيب النحل، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أن من فتنة أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح عليهم مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت عليه وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا إلى غير ذلك من الأحاديث.
وبعد إثبات ارتباط جميع العناصر الشر بالدجال من خلال المحاور الثلاثة والعرق الدين والمال نواصل إثبات ارتباط عناصر الشر بالدجال بصفة عامة.
ويبين النبي صلى الله عليه وسلم بين الدجال وهروج الفرق الضالة فيؤكد ان الدجال امتداد للخوارج فيقول عليه الصلاة والسلام: (سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرؤن القران لا يجاوز حناجرهم كما خرج منهم قرن قلع حتى يخرج الدجال في بقيتهم) رواه أبو داود.
كما يؤكد أن الدجال امتداد للقدرية فيروي الطبراني عن رافع بن خديجة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذمة القدرية وأنهم زنادقة هذه الأمة وفي زمانهم يكون ظلم السلطان وحيفة وكبره ثم يبعث الله طاعونا فتفني عامتهم ثم يكون الخسف فما أقل من ينجو منهم المؤمن يؤمئذ قليل فرحة شديد غمه، ثم يكون المسيح فيمسح الله عامتهم قردة وخنازير، ثم يخرج الدجال على أثره قريبا. ثم بكي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكينا لبكائه وقلنا: ما يبكيك قال: رحمة لاولئك القوم الأشقياء لأن فيهم المتعبد وفيهم المجتهد [1] .
ولعل من الربط بين الفرق والدجال انكار هذه الفروق لخروج الدجال.
كما قال ابن كثير: قد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية خروج الدجال، بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه فلم يصنعوا شيئا وخرجوا بذلك عن خير العلماء لردهم ماتواترت به الأخبار الصحيحة.
وبصفة نهائية ارتبط الدجال بالمعنى العام للفتنة لنري أن الأمر المثير حقاهو أن ينقسم الناس تجاه الدجال قسمة الثابتة تجاه أي فتنة كانت في تاريخ الأمة: واقع فيها ... ومواجه لها ... ومعتزل ...
وما يزيد الأمر إثارة أن الأعتزال سيكون في البادية [2] أيضا، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ذكر عنده الدجال فقال: يفترق الناس عند خروجه ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحق الأرض ابائها بمنابت الشيح، وفرقة شط الفرات، فيقاتلهم ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام)، ومنابت الشيح؛ نبت يخرج في البادية.
وعلى هذا الأساس فإن الموقف الصحيح من الدجال هو الموقف الصحيح من الفتنة: هو الهروب وعدم الاستشراق، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال فلينأ منه، من سمع بالدجال فلينأ منه، من سمع بالدجال فلينأ منه، فإن الرجل يأتيه فيحسب أنه مؤمن فما يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه رواه أحمد [3]
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (245/ 246/4) متن حديث سعيد بن المسيب عن رافع بن خديجة بأسانيد أحدها حسن قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1987) : رواه الطبرانبي بأسانيد في أحسنها ابن لهيعة وهو لين الحديث: قلت وهو من رواية أحمد العبادلة عنه وحديثهم عنه صحيح لأنهم سمعوا منه قبل اختلاطه وتغيره.
(2) كما هو الشأن في اعتزال أي فتنة كما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالتعرب عند الفتنة أي سكن البادية وقول رسول الله: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما ينبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ناجيا من الفتن رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(3) أخرجه أحمد في المسند (431/ 4) من حديث عمران حصين ومن طريق أخرجه الحاكم في المستدرك (531/ 4) ، وصححه على شرط مسلم، والحديث أخرجه أبو داود في سننه (442/ 11) من وجه اخر عن عمران بن حصين.