وفي إفراد مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم ترزقنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهذه هي الزيادة ثم تلا هذه الآية: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [1] .
وكما يتحقق في الجنة الكمال في ظهور ذات الله برؤية وجهه سبحانه بغير حجاب يتحقق الكمال في ظهور صفاته عز وجل؛ فالجنة هي واقع الرحمة الكاملة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) [2] ، حتى صارت الجنة هي رحمة الله بدليل قول الله سبحانه في الحديث للجنة: (أنت رحمتي) [3] .
ومن هنا كان واقع الجنة مجردا من صفات النصب والكدح. ولهذا يحكي لنا عليه الصلاة والسلام كيف أن رجلا أراد أن يزرع في الجنة، فروي البخاري عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية أن رجلا استأذن ربه في الزرع فقال له: أليست فيما شئت؟ قال: بلي ولكني أحب أن أزرع. قال: فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال. فيقول الله دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قريشا أو أنصارا، فإنهم أصحاب زرع وأما نحن فلسنا أصحاب زرع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم [4] .
وكذلك يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا اشتهي الولد في الجنة فإنه لا يكون الحمل لأنه (وهنا على وهن) ، وليس في الجنة وهن كما روي الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اشتهي المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي) [5] .
وكان واقع الجنة كذلك مجردا من التكاليف ولهذا لما كان التسبيح شرطا قدريا للحياة، وكانت حياة أهل الجنة دائمة لزم أن يكون أهل الجنة في تسبيح دائم. ولما كان التكليف ممتنعا في الجنة كان التسبيح كما تلهمون النفس) [6] . ولكن الله برحمته إذ منع حدوث أثر النيا من النصب والكدح؛ فإنه عز وجل جعل من آثار الجنة ما يحدث في الدنيا.
(1) مسلم في الأيمان (17/ 3) من حديث صهيب رضي لله عنه وهو مما انفرد به دون البخاري.
(2) البخاري في الأدب (431/ 10) ، وغيرها من حديث أبي هريرة رضي لله عنه.
(3) البخاري في التفسير سورة (ق) ، وفي التوحيد (434/ 13) ، ومسلم رقم (2846) في الجنة.
(4) البخاري في (الحرث والمزارعة) [27/ 5) من حديث أبي هريرة 0
(5) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (3/ 9، 80) ، والترمذي (385/ 7) ، وقال: (حسن غريب) ، وابن ماجه رقم (4338) من الصديق أبي الناجي عن أبي سعيد الخدري والحديث عند الدرامي وابن حبان وغيرهم
(6) أخرجه مسلم (2835) من حديث جابر رضي الله عنه 0