الصفحة 11 من 104

(( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون(33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلون من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين )) [1] 0

فالعيون تفجر، والليل يسلخ منه النهار، والظلام يسود فجأة، وآخر صورة للقمر هى كونه كالعرجون القديم، والشمس لا تدرك القمر ولا ينبغى لها والليل لا يسبق النهار، ولا ينبغى له. والفلك مشحون. وهم منذرون بإمكان إغراقهم في وضع لا ينجدهم فيه أحد ولا يسعى لإنقاذهم أحد!

وما أبعد هذه الصورة عن الصورة الواردة في سورة الأنعام، وإن كانت كلتاهما تتحدث عن الشمس والقمر والزرع والثمار!

وذلك من الإعجاز 00

كنا حتى الآن نتحدث عن ظاهرة واحدة من ظواهر الإعجاز البيانى في القرآن الكريم، هى ظاهرة التنويع، وذلك في مجالات رئيسة ثلاثة: قصص الأنبياء مع أقوامه، ومشاهد القيامة، وآيات الله في الكون. ولكن الظاهرة لا تنحصر - كما ألمحنا في أول الكلام - في هذه المجالات الثلاثة، فهى ظاهرة عامة في القرآن كله، وفى كل موضوعاته، ضربنا لها مثلا في قوله تعالى فى (سورة البقرة:25) (( يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) ). وقوله تعالى فى (سورة إبراهيم:6) (( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) )، والأمثلة كثيرة في القرآن الكريم تلفت انتباه كل قارئ يقرأ بوعى، سواء أدرك الحكمة فيها أم لم يدركها، كقوله تعالى: (( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) ) [2] وقوله تعالى: (( وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى ) ) [3] ، فالتركيز في الأولى على المجئ من أقصى المدينة، بما يوحى بأهمية الأمر الذى حفز الرجل على قطع تلك المسافة الكبيرة، والتركيز في الثانية على الرجل ذاته، بما يوحى باهتمامه الخاص بالأمر، وأنه حريص على سلامة موسى عليه السلام (والراجح أنه هو الرجل المؤمن من آل فرعون الذى ناصر موسى فيما بعد في مواجهة فرعون) . وقوله تعالى عن اليهود (( يحرفون الكلم عن مواضعه) [4] وقوله عنهم (( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) ) [5] . ففى الأولى يشير إلى تحريفهم لكلام الله، وما في ذلك من لؤم والتواء، وفى الثانية يشير إلى تجرؤهم على الله سبحانه وتعالى بأن يقرر الأمر فيقرروا غيره من بعد تقرير الله له، وما في ذلك من توقح وتمرد على رب العالمين. وفى مثل تلك المواضع يكون للتنويع دلالة خاصة تضاف إلى مجرد التنويع، الذى هو في ذاته هدف مقصود0

وذلك من الإعجاز 00

ولكن ظاهرة التنويع - على تعدد مجالاتها في القرآن الكريم - ليست وحدها التى تحمل الإعجاز البيانى فيه. فللإعجاز البيانى في القرآن تجليات كثيرة في مجالات كثيرة، ليس من الضرورى أن تكون ظاهرة عامة في كل مرة، فقد تكون في آية، وقد تكون في حرف من آية، كما سنضرب الأمثلة من أماكن متفرقة من كتاب الله الكريم، لمجرد التوضيح لا على سبيل الحصر .. فالأمر يفوق الحصر!

فى دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في سورة البقرة، وردت هذه الآيات:

(1) سورة يس: 33 - 44

(2) سورة يس: 20 0

(3) سورة القصص: 20 0

(4) سورة المائدة: 13 0

(5) سورة المائدة: 41 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت