(( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذيل كفروا من النار ) ) [1] 0
والحياة الدنيا فترة ابتلاء، يترتب عليها في النهاية الجزاء 00
ومادة الابتلاء هى متاع الأرض:
(( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) ) [2] 0
وخلاصة القضية أن الأرض مزينة بألوان من المتاع، وفى النفس البشرية ميل إليه مركوز في الفطرة:
(( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ) ) [3] 0
والله الخالق صاحب الأمر لم يحرم المتاع:
(( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ) [4] 0
ولكنه وضع له ضوابط سماها (( حدود الله ) )، وقال عنها مرة: (( تلك حدود الله فلا تقربوها ) ) [5] 0 ومرة (( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) ) [6] 000
ومن ثم كان الابتلاء- بمعنى الاختبار- هو في هذا الأمر: إلى أى مدى يستجيب الإنسان لرغبة المتاع؟ هل يقف عند الحدود التى فرضها الله أم يتجاوزها؟
ثم كان الجزاء في الحالتين متفقا مع سلوك الإنسان تجاه تلك الحدود:
(( فأما من طغى(37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هى المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هى المأوى) [7] 0
وتلك هى قصة الحياة00!
وتلك هى غاية الوجود الإنسانى كما حددها خالق الإنسان وخالق الخياة00
أى تحول في داخل النفس يحدث حين تؤمن بلا إله إلا الله؟!
ولا يقف الأمر عند الإنسان الفرد00
فتلك اللبنات التى شكلتها لا إله إلا الله ذات خواص معينة، تتميز بها عن غيرها من اللبنات0
ومن خواصها- التى تشبه ظاهرة المغنطيس- التجاذب الذى يؤدى إلى الالتحام!
والتجاذب في أصله موجود في الفطرة0 فالنفس البشرية ذات نزعتين في آن واحد: نزعة فردية ونزعة جماعية0 الأولى تهدف إلى تحقيق الذات، والثانية تهدف إلى الاجتماع بالآخرين [8] ، ولكنها في الجاهلية لم تصل إلى حد الالتحام الحقيقى00 لأن الإنسان في الجاهلية يصنع حول نفسه سياجا أكبر من حجمه الحقيقى، فمهما تجاذبت الوحدات، فهذا السياج الخارجى قد يسمح بالاقتراب ولكنه يمنع الالتحام! أما في النفوس المؤمنة، التى تواضعت لله، وذهب عنها كبرياء الذات، فلا يوجد ذلك السياج الوهمى الذى يقيمه الفرد حول ذاته، ومن ثم تقترب القلوب- التى يجذبها كلها الحب لله ولرسوله- فتلتحم ذلك الالتحام الرائع الذى شهدنا نماذج رائعة منهفى ذلك الجيل الفريد الذى رباه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يخل منه جيل من أجيال المسلمين0 وهو هو الذى أنشأ تلك (( الأمة ) )لأول مرة في تاريخها، ثم اتسع حتى شمل شعوبا وأجناسا لا يجمع بينها لون ولا لغة ولا مصالح قريبة00 ولكن تجمع بينها لا إله إلا الله00
وهكذا تنشئ لا إله إلا الله (( الإنسان الصالح ) )الذى يقيم الخلافة الراشدة في الأرض فردًا وجماعة: -
(( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة ) ) [9] 0
(1) سورة ص: 27
(2) سورة الكهف: 7
(3) سورة آل عمران: 14
(4) سورة الأعراف: 32
(5) سورة البقرة: 187
(6) سورة البقرة:229
(7) سورة النازعات: 37 - 41
(8) أنظر إن شئت كتاب (( دراسات في النفس الإنسانية ) )
(9) سورة البقرة: 30