الصفحة 53 من 104

أشرنا من قبل إلى تعميق الإيمان بالله واليوم الآخر على أنه الأداة العظمى في المنهج الربانى. وأشرنا من قبل كذلك إلى تحديد أبعاد رحلة الإنسان في الوجود، منذ النشأة إلى المعاد، وما يقدمه هذا التحديد من إجابات واضحة محددة لأسئلة الفطرة التى تلح على النفس بوعى وبغير وعى: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا وكيف؟ .. وأثر ذلك في وضوح الرؤية عند الإنسان لأبعاد الرحلة وأهدافها، ونوع الابتلاء (الاختبار) الذى يجرى له فيها، مما يدعوه إلى التناغم مع هذه الأهداف وعدم الخروج عليها، ويؤدى به في الوقت ذاته إلى الطمأنينة في أثناء المسيرة، والصبر على مصاعبها إيمانا منه بأن (( أمر المؤمن كله خير ) ) [1] ، وبأنه (( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ) [2] 0

ونشير هنا إلى التوازن الذى ينشئه المنهج الربانى في النفس المؤمنة بين الرغبة والقيد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الفرد والجماعة، وأثر ذلك التوازن في إنشاء (( الإنسان الصالح ) )0

فأما بين الرغبة والقيد، فالإسلام لا يكبت الرغبات الفطرية ولكنه يضبطها وفرق هائل بين الكبت والضبط. فالكبت هو استقذار الدافع الفطرى، وعده - في ذاته - دنسا لا يليق بالإنسان أن يشتمل عليه، بينما الضبط هو اعتراف بالدافع الفطرى نظيفا في ذاته، مع التحكم في القدر الذى يستجيب به الإنسان إليه، والطريقة التى يستجيب بها0

الكبت عملية مفسدة للمشاعر، مفسدة للأعصاب، مدمرة للطاقة الحيوية 00 والضبط عملية صحية تكسب الإنسان قوة في الشخصية، وقدرة على التحمل، ورفعة في الأهداف00

(( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ) [3] 0

فلا تحريم للطيبات 00

ولكن في الوقت ذاته لا إسراف في التناول:

(( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ) [4] 0

وهكذا يتوازن الإنسان بين الرغبة والقيد 0 فلا الرغبة تؤدى بالإنسان إلى الإسراف الذى يفسد الشخصية ويؤدى بها إلى الترهل أو إلى الطغيان وكلاهما من الأمراض0 ولا القيد يؤدى إلى الامتناع البتة الذى يؤدى إلى الاضطرابات النفسية والعصبية والقلق وغيرها من الأمراض0

وأما بين الدنيا والآخرة فالتوازن كذلك مطلوب:

(( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ) [5] 0

لا رهبانية في الإسلام 00

الرهبانية تعطيل لدفعة الحياة، وتعطيل لدور الإنسان في عمارة الأرض وترقيتها وتجميلها، وتحقيق (( التسخير ) )الذى منحه الله للإنسان ليؤدى به دور الخلافة في الأرض:

(( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) ) [6] 0

وذلك فضلا عن كون أصحابها لا يستقيمون عليها، إنما تعتل نفوسهم ويفسدون:

(( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) ) [7] 0

وفى الوقت ذاته، فإن الاستغراق في المتاع الأرضى ونسيان الآخرة فتنة ضخمة يتعرض لها الإنسان إذا ترك نفسه على هواها، فينتهى به الأمر إلى البوار، لأنه لا يقف في إشباع رغباته وشهواته عند الحد المأمون، وإنما يتجاوزه بما يهلكه في الدنيا، ويجعل نصيبه في الآخرة هو النار!

(1) يقول عليه الصلاة والسلام (( عبجى للمؤمن كل أمره خير، إذا أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإذا أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) )0

(2) سورة الزمر: 10

(3) سورة الأعراف: 32 0

(4) سورة الأعراف: 31

(5) سورة القصص: 77

(6) سورة الجاثية: 13

(7) سورة الحديد: 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت