الصفحة 54 من 104

والمنهج الربانى يقول للإنسان: لا تحرك نفسك من المتاع المتاح، ولكن التزم فيه بالحدود التى حددها الله، فكل شىء جعل الله له حدودا يعلم اللطيف الخبير أنها تحقق الخير وتمنع الشر، فأباح الطيبات وحرم الخبائث ودعا إلى عدم الإسراف حتى في المباح .. وفى الوقت ذاته، يركز المنهج الربانى تركيزا شديدا على اليوم الآخر، وما فيه من بعث ونشور، وحساب وجزاء، لأن اللطيف الخبير يعلم أن ذكرى اليوم الآخر هى الأداة الكبرى التى تساعد الإنسان على ضبط شهواته ورغباته، والوقوف بها عند الحلال الذى أحله الله، والقدر الذى أباحه الله؛ لأن القضية في حس المؤمن تصبح موازنة بين الإنسياق وراء الشهوات، ويقابلها في الآخرة عذاب لا قبل للإنسان باحتماله، والقناعة بالقدر المباح من المتاع، ويقابلها في الآخرة جنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فيقنع ويرضى، وتطمئن نفسه، ولا يشعر بالحرمان، فضلا عن الشعور بالرفعة والطهارة والارتقاء0

(( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيمًا(56) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا )) [1] 0

وأما التوازن بين الفرد والجماعة، فهو من أبرز ومن أجمل سمات المنهج الربانى00

إن الجاهليات كلها في القديم والحديث تجنح إلى أحد طرفى الميزان فيختل الطرف الآخر .. تجنح إلى تكبير الفرد، وتعطيه من (( الحقوق ) )ومن (( الحريات ) )ما يجعله يأخذ حجما أكبر مما ينبغى له، فيختل المجتمع في المقابل وتنحل روابطه، ثم يفسد الفرد ذاته بالتدليل الزائد عن الحد، فلا يجد مجتمعا يردعه، أو يرده إلى الجادة .. وأبرز مثال على ذلك المجتمعات (( الليبرالية ) )فى الجاهلية المعاصرة، التى انحلت أخلاقها، وتعالن الناس فيها بالفاحشة سوية وشاذة، بحجة (( الحرية الشخصية ) )الممنوحة لكل فرد، يصنع بها ما تمليه عليه شهواته، ويحرم على المجتمع أن يتدخل في الأمر .. وثم جاهليات أخرى تركز على المجتمع فتسحق الفرد وتكتم أنفاسه بحجة أن المجتمع هو الأصل، ومهمة الفرد هى خدمة المجتمع والمحافظة على تماسكه وترابطه00

كلتا النظرتين جانحة، والظلم واقع فيها على الناس بصورة من الصور، سواء بطغيان الفرد الذى يفتت المجتمع، أو بطغيان المجتمع الذى يسحق الفرد 00

والإسلام ليس كذلك 00

إنه يعطى الفرد حقوقا وضمانات، تحقق له كرامته، وتحقق له مجالا معقولا لنشاطه، فيستطيع أن ينشط كما يشاء، في الحدود التى لا تؤذى غيره، ولا تؤدى إلى الانحلال والتفسخ، فيختار التعليم الذى يناسبه، ويختار العمل الذى يناسبه، ويختار الزوجة التى تناسبه، والعلاقات التى تناسبه في الحدود التى لا توقع ضررا على غيره حسب قاعدة (( لا ضرر ولا ضرار ) ). فلا يباح له التملك بالغصب أو السرقة أو أكل أموال الناس بالباطل، ولا الربا ولا الاحتكار لأن هذا كله يوقع الضرر بالآخرين. ولا يباح له الفاحشة ولا مقدماتها التى تفضى إليها، ولا يباح له الغيبة ولا النميمة ولا التجسس ولا تتبع عورات الناس أو اقتحام خصوصياتهم .. وفى الوقت ذاته، يعطى المجتمع حق (( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) )بل يجعله واجبا تكليفيا على المجتمع، لكى لا يخرج الأفراد عن حدودهم، ولا يتسببوا في إيذاء المجموع. ويوجب على المجتمع التكافل، والتعاون على البر والتقوى، وإزالة المظالم، والجهاد لتكون كلمة الله هى العليا .. وكلها أعمال جماعية يقوم بها المجتمع0

(1) سورة النساء: 56، 57

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت