ويصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع في هذه الصورة الرائعة:
(( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا يمرون على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في مكاننا خرقا ولم نؤذ من فوقنا! فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا ) ) [1]
والإسلام يصل إلى هذا التوازن بين الفرد والجماعة بطريقة غاية في البساطة وغاية في الإبداع كذلك 00 فهو ابتداء لا يعد العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة صراع وتضاد كما تعدها الجاهليات سواء منها ما يرتكز على الفرد وما يرتكز على المجتمع. فالأولى ترى الفرد هو الأساس، وترى المجتمع هو القيد الذى يسعى إلى التضييق على الفرد وخنقه وكبته، ومن ثم تحيط الفرد بالضمانات التى تمنع المجتمع قدر الطاقة من التدخل في شأنه، حتى لو ألحد، أو حتى لو فسق، ما دام فسقه (( قانونيا ) )! والثانية ترى المجتمع هو الأساس، والفرد هو المتربص أبدا للعدوان عليه، والخروج على طاعته، فتظل تضع حوله القيود، وتهدده بالعقوبات!
والإسلام دين الفطرة 00
والفطرة - كما أشرنا آنفا - تشتمل على نزعتين أصيلتين: نزعة فردية ونزعة جماعية، إحداهما تسعى إلى إثبات الذات والأخرى تسعى إلى الاجتماع بالآخرين. والنزعات الفطرية لاعداء بينها في الأصل، كما تكون في الفطرة السوية، إنما ينشأ الخلل حين تزيد جرعتها أو تنقص عن الوضع السوى، فيحدث المرض، مثلها كمثل إفرازات الجسم. فالجسم يكون في وضعه الصحيح طالما كل جهاز فيه يقوم بوظيفته الطبيعية بصورة سوية، ولكنه يمرض حين تختل بعض وظائفه بالنقص أو الزيادة. والنفس كذلك هى في وضعها الصحيح طالما كل جهاز أجهزتها يقوم بعمله الفطرى في صورته الطبيعية، ولكنها تمرض حين تختل بعض وظائفها بالنقص أو الزيادة. وعند بعض الناس تنشط النزعة الفردية أكثر من اللازم، فيصبح الشخص أنانيا، وميالا إلى العدوان على حقوق الآخرين، أو تنشط النزعة الجماعية أكثر من اللازم، فيخنع، وتنبهم شخصيته، ويصير إمعة لا كيان له00 [2]
والإسلام يهدف إلى أن تكون النفس في وضعها الفطرى السوى، فيصبح الإنسان (فى أحسن تقويم ) ) [3] كما خلقه الله، كما يسعى إلى علاج الخلل حين يحدث، بتوجيهاته التى تعيد التوازن إلى النفس، وتدفع بها إلى الرشد .. وعندئذ يتوازن الفرد والمجتمع، ويقل الصراع إلى أدنى حد مستطاع ويحل محله التكافل والتعاون والترابط والتحاب:
(( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ) [4]
وبهذه الألوان من التوازن: بين الرغبة والقيد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الفرد والمجتمع، ينشئ الإسلام (( الإنسان الصالح ) )الذى تعمر به الأرض00
وهلم الآن نغترف غرفة أخرى من البحر الزاخر 00
ما مواصفات الإنسان الصالح؟
إنها مبثوثة في تضاعيف الكتاب 00 لا تكاد تخلوا سورة من السور قصيرة أو متوسطة أو طويلة من إشارة إلى صفة - أو مجموعة صفات - للإنسان الصالح، أو -0 من الجانب الآخر - صفة أو مجموعة صفات للإنسان المنحرف الذى يحذر القرآن الناس من أن يكونوه00
وهنا يجئ دور (( الترغيب والترهيب ) )فى منهج التربية القرآنى [5] 0
خذ أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
(1) أخرجه البخارى 0
(2) انظر إن شئت حديثا عن هذه النقطة في كتاب (( دراسات في النفس الإنسانية ) )، فصل (( خطوط متقابلة في النفس الإنسانية ) )وكذلك فصلا بنفس العنوان في كتاب (( منهج التربية الإسلامية ) )0
(3) سورة التين: 4
(4) متفق عليه 0
(5) وفى السنة كذلك 0