الصفحة 59 من 104

(( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) ) [1] 0

التوجيه هو ذات التوجيه 00

ليس الإيمان مجرد مظاهر .. إنما هو صدق في العمل نابع من صدق في المشاعر، فالأصل هو الاعتقاد الصحيح، الذى يقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والذى يترجم إلى عمل مشهود في واقع الأرض، يذكر منه هنا إيتاء المال ذوى القربى واليتامى والمساكين وبان السبيل والسائلين وفى الرقاب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس .. سلوك كامل شامل ينبثق من العقيدة الصادقة ويشمل مساحات واسعة من المشاعر والتصرفات00

من هنا كان من أعجب العجب أن يتسرب الفكر الإرجائى إلى هذه الأمة، ذلك الفكر الذى يقول إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا في مسمى الإيمان [2] ، والذى يقول: (( من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام! ) )0

قالوا: إن الله يخرج من النار قوما لم يعملوا خير قط .. ولا حرج على فضل الله. ولكن انظر إلى حال الأمة إن قال كل واحد فيها أنا مؤمن ما دمت مصدقا ومقرا، ولا على أن أعمل! كيف يكون حالها؟ إنها تكون ذلك الغثاء الذى أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذى تتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها [3] 00 فهل تكون عندئذ هى الأمة التى أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، والتى تكون شاهدة على كل البشرية؟!

تستطيع الشجرة أن تعيش وتثمر وتمد أفرعها في الفضاء، وهى تحمل من بين أوراقها بضع أوراق صفراء .. ولكن يوم تقول كل ورقة في نفسها: من حقى أن أكون صفراء ذابلة وإن جفت المياه في عروقى مادمت لم أسقط على الأرض بعد، فكم تعيش هذه الشجرة على ظهر الأرض؟! وهل تكون حينئذ هى الشجرة الطيبة الموصوفة في كتاب الله: (( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء(24) تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها )) [4] ، أم تكون شجرة متهالكة لا تؤتى أكلًا ولا تظل أحدا؟!

وإن كان (( مرجئة الفقهاء ) )قد قالوا إن العمل ليس داخلا في مسمى افيمان (( يقصدون الاسم ) )ولكنه مطلوب كالإيمان، فالخلاف معهم هين. وإنما المرجئة الذين أسقطوا العمل إسقاطا من الحساب وقالوا يكفى التصديق والإقرار ليكون الإنسان مؤمنا كإيمان جبريل (!) هؤلاء قدموا للأمة مرضا هو اليوم مستعص على العلاج .. إلا أن ترجع الأمة رجوعا صحيحا إلى كتاب الله، لتستوعب ما فيه من الدروس0

وخذ هذا الدرس في مجال آخر في ذات الاتجاه:

(1) سورة البقرة: 177 0

(2) المسمى ليس هو الاسم، إنما هو الشىء أو الشخص الذى يحمل الاسم. ومنه قولهم: اسم على مسمى، أى شخص يتصف بالصفات التى يدل عليها الاسم. ولكن كثيرا من الناس يستخدمون لفظ المسمى ويقصدون به الاسم0

(3) قال عليه الصلاة والسلام: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) ). رواه أحمد وأبو داود 0

(4) سورة إبراهيم: 24،25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت