ومن سورة الشعراء:
(( كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إنى لكم رسول أمين (107) فأتقوا الله وأطيعون (108) وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمى بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون 113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومى كذبون (117) فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم )) (2) 0
إنها قصة واحدة 00 قصة نوح مع قومه، وجدالهم معه، وردوده عليهم، وتكذيبهم له، وإغراقهم في النهاية ونجاة المؤمنين0
ولكن هل هى واحدة في السرد القرآنى، أم إنها صور متعددة وإن تشابهت في عمومياتها، وفى بدئها وفى نهايتك؟
إن اختلاف الصور في طرق السرد المختلفة هو في ذاته جمال، لأنه يعطى في كل مرة جوا مختلفا للقصة في نفس القارئ، والسامع، فكأنها قصة جديدة، مع أن الأشخاص هم هم، والوقائع هى هى في النهاية0
ولكن القصص في القرآن لا يرد لمجرد القصص، وإن كان مشتملا من الناحية الفنية الجمالية على عناصر الجمال الفنى التى تجعل له مدخلا لطيفا إلى النفس، فيكون أبلغ تأثيرا فيها، مما لو كان مجرد فكرة أو قضية تخاطب العقل وحده ولا تخاطب الوجدان0
ولكن الروعة في هذا القصص أنه - مع جماله الفنى - يؤدى هدفا دعويا مما يشتمل عليه كتاب الدعوة الأعظم، في تناسق كامل بين الهدف الدعوى والجمال الفنى .. وإذ كانت الأهداف الدعوية كثيرة ومتعددة ومختلفة، يجئ القصص القرآنى في صورة مختلفة في كل مرة، متناسقة مع الهدف المقصود من إيراد القصة، مع توافر الجمال الفنى في كل مرة0
ولنراجع قصة نوح في السور الثلاث التى أثبتناها منذ قليل، لنرى تناسقها في كل مرة مع الهدف من إيراد القصة00
الهدف من إيراد القصة في سورة هود - كما هو مذكور في سياق السورة - ثلاثة أمور:
(( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد(100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود )) [1]
(( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) ) [2] 0
فهى إنذار للناس لكى يحذروا عذاب الآخرة ويتقوه .. وهى تثبيت لقلب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهى موعظة وذكرى للمؤمنين0
وكان من المناسب لهذه الأهداف الثلاثة تطويل العرض، والإكثار من ذكر التفاصيل فيما وقع بين كل رسول وقومه. وكان ذلك مناسبا بصفة خاصة للهدف المتعلق بتثبيت قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يلقى العنت من قومه: من تكذيبهم وجدلهم واللدد في خصومتهم .. فها هو ذا رسول سابق من رسل الله قد لقى مثل ذلك العنت، وصبر عليه، ثم نجاه الله وقضى على الذين كذبوه00
أما الهدف في سورة الأعراف - كما جاء في سياق الصورة - فهو هذا البيان:
(( وما أرسلنا في قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون(94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون )) [3] 0
(1) سورة هود: 100 - 103
(2) سورة هود: 1020
(3) سورة الأعراف: 94، 95