ويتضح من ذلك - ضمنا - أن أى علاقة تقوم بين إنسان وإنسان، لا تتصل ولا تنبع من تلك العلاقة الكبرى فلا وزن لها في المنهج الربانى، وهى ساقطة من الحساب!
ويتضح كذلك - ضمنا -0 أن كل العلاقات بين البشر، التى يجب أن تكون متصلة بالعلاقة الكبرى ونابعة منها، يجب أن تكون مصطبغة بصبغتها غير مناقضة لها ولا حائدة عنها:
(( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) ) [1] 0
(( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) ) [2] 0
وليس معنى ذلك أن علاقة المسلمين بغيرهم هى دائمًا علاقة العداء والحرب:
(( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) ) [3] 0
فالمعاملة الحسنة للآخرين - غير المحاربين- خلق إسلامى أصيل. ولكن البر والقسط شئ والموالاة شىء آخر!
بر وقسط، نعم، ولكن لا ولاء!
(( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ) [4] 0
وهذا درس فريد في مجال الإيمان:
(( يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا ) ) [5] 0
والذى يلفت النظر في هذا الدرس أن المخاطبين الذين يطلب منهم الإيمان هم مؤمنون بالفعل! وهم مؤمنون بكل ما يطلب منهم الإيمان به، والدليل من الآية ذاتها أنهم يخاطبون بلقب الإيمان (( يا أيها الذين آمنوا ) ).. ولا يكونون مؤمنين - ولا يخاطبهم الله بلقب الإيمان - حتى يكونوا قد آمنوا بالفعل بالله ورسوله، والكتاب الذى نزل على رسوله، والكتاب الذى أنزل من قبل، والملائكة والنبيين واليوم الآخر 00
فما دلالة التوجيه الربانى؟!
لو كان الخطاب لغير المؤمنين لكان بلا شك دعوة لهم إلى الإيمان. أما وهو خطاب للمؤمنين بالفعل، فالخطاب له معنى آخر 00
إنه دعوة لترسيخ الإيمان وتثبيته في قلب المؤمن. وتذكير له بأن الإيمان ليس درسا يلقى ثم ينتقل منه إلى غيره. إنما هو درس يستوعب ثم ينتقل معه إلى غيره. درس دائم في حياة المؤمن. درس لا ينبغى أن يغفل عنه ولا عن مقتضياته، ولا أن يفرط فيه، أو يتغافل عنه، أو يتقاعس عن تكاليفه الدائمة في القلب والجوارح. في الفكر والسلوك. في الوجدان وفى واقع الحياة0
وهذا يلفتنا إلى أمر له أهمية خاصة بالنسبة لهذه الأمة بالذات00
إنها ليست مجرد أمة من الأمم. ولكن الله أخرجها لتكون (( خير أمة ) )، وليست مهمتها أن تهتدى في ذات نفسها فحسب كغيرها من الأمم السابقة، بل أن تكون شاهدة على كل البشرية0
(( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) ) [6] 0
وذلك لأنها أمة خاتم النبين، الذى لن يجئ نبى بعده، والذى أرسل إلى البشرية كافة. وهى المكلفة بحمل رسالته من بعده. وأداتها الأولى في حمل هذه الرسالة والقيام بتكاليفها هى صدق الإيمان، ورسوخ الإيمان، والمحافظة الدائمة على الإيمان0
لذلك يخاطبهم - وهم مؤمنون - فيقول لهم (( آمنوا بالله ورسوله .. ) )0
(1) سورة لقمان: 14
(2) سورة البقرة: 138
(3) سورة المجادلة: 22
(4) سورة المائدة: 55
(5) سورة النساء: 136
(6) سورة البقرة: 143