الصفحة 65 من 104

وبهذه المناسبة نقول إن عالمية الدعوة منصوص عليها نصا صريحًا في الايات المكية ذاتها، ولم تكنن (( تطورًا ) )فى فكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن دانت له الجزيرة ودخل الناس أفواجًا في دين الله كما يزعم المستشرقون في أباطيلهم. ففى السور المكية الأولى التى نزلت والمسلمون في مكة مشردون مضطهدون، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجد من قريش أذنا صاغية، نزل قوله تعالى: (( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون(51) وما هو إلا ذكر للعالمين )) [1] 0 وقوله تعالى: (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ) [2] 0

كما يتوجه الخطاب في القرآن في أكثر من موضع إلى (( الإنسان ) )لا إلى قوم بعينهم من بنى الإنسان:

(( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم(6) الذى خلقك فسواك فعدلك (7) فى أى صورة ما شاء ركبك )) [3] 0

(( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه ) ) [4] 0

فالمخاطبون المباشرون بهذه الآيات هم قريش، أو هم العرب، ولكنهم لا يخاطبون بوصفهم قريشًا بالذات، ولا بوصفهم عربا، ولكن بوصفهم من بنى (( الإنسان ) )الذين توجه إليهم الدعوة جميعا، فيسمعها منهم من يتاح له أن يسمع!

وكذلك يأتى الحديث عن (( الإنسان ) )عامة في مثل قوله تعالى:

(( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) ) [5] 0

(( إن الإنسان خلق هلوعا(19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين )) [6] 0

(( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورًا(1) إنا خلقنا الإنسان نطفة أمشاج ننبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا )) [7] 0

(( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون )) [8] 0

(( والعصر(1) إن الإنسان لفى خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )) [9] 0

ولكن ربما كانت ألطف إشارة إلى أن المخاطب بهذا القرآن هو البشرية كلها- على سبيل القطع- وليس قوما معينين منها، هى التى وردت في موضعين اثنين، بصورتين مختلفتين، في آيتين مكيتين:

(( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) ) [10] 0

(( إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ) ) [11] 0

فالذين حملوا في الفلك المشحون لم يكونوا - قطعا - ذرية المخاطبين بهذا القرآن! سواء كانوا قريشا، أو من يتاح له من العرب أو يسمع، أو كل من استمع بعد ذلك! إنما كانوا ذرية البشرية الأولى على عهد نوح. والمحمولون في الجارية لم يكونوا كذلك هم العرب المخاطبين بالقرآن أول مرة، ولا غيرهم ممن جاء بعدهم. ولكن الله يقول لهم: (( حملناكم ) )! حملناكم يا بنى الإنسان! فالخطاب موجه إلى البشرية كافة، من خلال كل من يستمع إلى الخطاب!

وهكذا تتأكد عالمية الدعوة، وعالمية الخطاب، وعالمية الرسالة، سواء بالنصوص المباشرة الصريحة، أو بالإشارة الصريحة، أو بالإشارة المتضمنة للمعنى، أو بالأوصاف التى تصف النوع الإنسانى كله، ويدخل المخاطبون المباشرون فيها من بين المعنيين بالخطاب!

(1) سورة القلم: 51 - 52

(2) سورة الأنبياء: 107

(3) سورة الأنفطار: 6 - 8

(4) سورة الانشقاق: 6

(5) سورة فصلت: 51

(6) سورة المعارج: 19 - 22

(7) سورة الإنسان: 1،2

(8) سورة التين: 4 - 6

(9) سورة العصر: 1 - 3

(10) سورة يس: 41

(11) سورة الحاقة: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت