ولقد كانت هذه التوجيهات كلها لونا من التربية لهذه الأمة، لتوسيع آفاقها، وإعدادها لرسالتها، لكيلا تنحصر في ذاتها، فضلا عن أن تنحصر في قبيلة أو عرق أو لون أو جنس أو لغة أو أرض - وإنما تتعامل مع (( الإنسان ) )من حيث هو إنسان ملتزمة في الوقت ذاته بالمعيار الربانى. (( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) ) [1] 0
وهناك دروس أخرى تأتى من خلال التقديم والتأخير في السياق نضرب لها الأمثلة الآتية:
(1) (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ) [2] 0
يلاحظ في سياق الآية أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قدم - لفظا - عن الإيمان بالله. والإيمان بالله لا يتقدم عليه شىء. تلك بديهية من بدهيات العقيدة. والمتدبر لكتاب الله يدرك التركيز الشديد في القرآن كله على هذه القضية، وأنها محور العقيدة، ومحور الدعوة، ومحور الرسالة التى أرسل بها الرسل جميعا إلى أقوامهم. فما معنى تقديم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - لفظا - في الآية على الإيمان بالله؟
معناه أولًا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر شىء مهم في ذاته. يبلغ من أهميته أن يقدم - لفظا - على الإيمان بالله0
ومعناه كذلك أن حقيقة هذا الدين لا ترسخ في الأرض إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى إن خيرية هذه الأمة تتقرر - أول ما تقرر - بكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر0
ويؤكد هذه الأهمية أن الأمة التى تقاعست عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لعنت في كتاب الله: (( لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )) [3] 0
فإذا كانت الخيرية هنا ترتكز على قيام الأمة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واللعنة هناك سببها - أو من أسبابها- عدم قيام الأمة بتلك المهمة، فإن هذا يبين لنا مدى أهمية هذا الأمر في حياة الأمة. ذلك أن التفلت من التكاليف طبع موجود في البشر، فإن لم يعالج بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن الفساد (( يظهر ) )- أى يستشرى - في الأرض:
(( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ) ) [4] 0
والطريقة الوحيدة لمنع الفساد من الأرض هى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بدرجاته المختلفة، وباختلاف المكلفين بكل درجة من درجاته00
وهذا هو الدرس الذى تبرزه الآية عن طريق تقديم لفظ على لفظ في السياق0
(2) (( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ) [5] 0
هنا أيضًا قدم شىء في السياق على الإيمان .. فقوله تعالى: (( وسبحان الله وما أنا من المشركين ) )هو الأمر المختص بالعقيدة. أى المختص بالإيمان. ولكنا نجد في السياق أن البصيرة قدمت - لفظا - على الإيمان الذى لا يتقدم عليه شىء. فما معنى التقديم؟
معناه أولا أن البصيرة أمر مهم في الدعوة، يبلغ من أهميته أن يقدم في السياق على قضية الإيمان التى لا يتقدم عليها شىء 00 وتلك إشارة واضحة إلى أهميتها0
(1) سورة الحجرات: 13
(2) سورة آل عمران: 110
(3) سورة المائدة: 78، 79
(4) سورة الروم: 41
(5) سورة يوسف: 108