ومعناه ثانيا أن الدعوة إن لم تكن على بصيرة، فإنها لا تؤدى مهمتها المرجوة. وهذا أمر نلحظه جيدا في وقتنا الحاضر، حيث يذهب كثير من الجهد الذى يبذله بعض الدعاة بلا مردود حقيقى، برغم إخلاصهم في الدعوة، لنقص عندهم في البصيرة، يجعلهم لا يسلكون بدعوتهم المسلك الذى يؤثر في النفوس، بل قد يؤدى أحيانا إلى انصراف الناس عنهم، وعدم الاستفادة من المادة الدعوية التى يقدمونها، وفى ذلك من الخسارة ما فيه.
(3) (( من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ) [1] 0
(( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) ) [2] 0
(( فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ) ) [3] 0
(( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) ) [4] 0
(( ومن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) ) [5] 0
فى هذه الآيات كلها يتقدم العمل الصالح على الإيمان - لفظا - في الاية. وقد قدمنا أن الإيمان لا يتقدم عليه شىء. فتقديم العمل هنا له دلالة .. بل دلالات!
الدلالة الأولى أنه ذو أهمية بالغة، حتى إنه يقدم على الإيمان لا في آية واحدة بل في آيات متعددة في كتاب الله0
والدلالة الثالثة أنه لا يمكن أن يخرج العمل من مسمى الإيمان كما يزعم المرجئة، طالما كانت له هذه الأهمية الواضحة التى تجعله يتقدم على الإيمان في تلك الآيات0
والدلالة الرابعة أنه لا يمكن أن يكون (( مغايرًا ) )لحقيقة الإيمان كما يزعم المرجئة كذلك، ويستدلون استدلالا خاطئا بأن واو العطف تقتضى المغايرة لأن الشىء لا يعطف على ذاته! مخالفين بذلك ما يعرفه البلاغيون وأهل اللغة من جواز عطف الخاص على العام، والعام على الخاص، كقوله تعالى: (( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) ) [6] . فجبريل وميكال هما من الملائكة دون شك، وهما معطوفان في الآية على كلمة (( ملائكته ) )0
ثم إنه وردت في كتاب الله آيات تحدد المؤمنين الذين يدخلون الجنة بأنهم همن الذين يعملون الصالحات بغير فصل بين الأمرين ولا عطف، كقوله تعالى: (( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنًا ) ) [7] . وقوله تعالى: (( إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) ) [8] . بما يؤكد أن العمل لا ينفصل عن الإيمان!
(4) (( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) ) [9] 0
فى هذه الآية تقدم ذكر التسبيح على ذكر الإيمان. والدلالة الواضحة لذلك هى إبراز أهمية التسبيح بالنسبة للمؤمن. فالمؤمن لابد أن يسبح الله. والتسبيح بالسنبة له هو نوع من العبادة التى يؤديها لله، بل هو عنوان العبادة ومقتضاها؛ فلا إيمان بغير تسبيح. كما أن التسبيح هو التعبير التلقائى عن الإيمان، وهو الأداة التى يتقرب بها العبد من ربه، فيقربه إليه، فيكون من الصالحين0
(5) (( إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى ) ) [10] 0
هذا موسى عليه السلام يكلمه ربه، فيشتاق إلى رؤية ربه، ويتوجه بهذه الرغبة إلى مولاه:
(( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) ) [11] 0
(1) سورة النحل: 97
(2) سورة طه: 11
(3) سورة الأنبياء: 94
(4) سورة النساء: 124
(5) سورة غافر: 40
(6) سورة البقرة: 98
(7) سورة الكهف: 2
(8) سورة الإسراء: 9
(9) سورة غافر: 7
(10) سورة الأعراف: 144
(11) سورة الأعراف: 143