إنها تجربة هائلة تلك التى خاضها موسى عليه السلام، لا يطيقها إلا أولو العزم من الرسل. ولو شاء الله سبحانه وتعالى أن يقول له (( لن ترانى ) )وكفى، فذلك يحسم القضية لأن الله لا يراه أحد في الحياة الدنيا. ولكن الله أراد أن تمتلئ روح موسى عليه السلام بمشاعر الرهبة تجاه ربه، ويعلم سبحانه أن ذلك معين له في مهمة الدعوة التى أرسل من أجلها، فهى تعمق إيمانه، وتعمق طاقته في الدعوة، وتعينه على تحمل الجهد الذى تقتضيه الدعوة من الدعاة00
ولما أفاق من ا لهول الذى غشيه حين اندك به الجبل وهو واقف يترقب رؤية ربه، كلمه ربه مرة أخرى ليطمئنه، ويزيل عنه آثار الهول الذى غشيه، ويتوقع الإنسان أن يقول له ربه إنه اصطفاه على الناس بتكليمه إياه .. وأى اجتباء أكبر من تكليم الله له؟ وأى رفع لدرجاته؟ وأى قربى إلى الله أعظم من هذه القرى؟!
ولكنا نجد في السياق أن أمرا آخر قد قدم على هذا الشرف العظيم الذى تفضل الله به على موسى! إنه الرسالة!
(( إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى ) )0
الرسالة إذن هى المقدمة .. هى التشريف الأعظم، وهى التكريم الأعظم 00
نعم .. إن تكليم الله لموسى هو تكريم عظيم له، ولكن الأهمية الكبرى هى للرسالة. هى التى فيها الهدى للناس، لجمهور كبير من الناس ..
التكليم أمر يعتز به موسى عليه السلام، ولكنه أمر يخصه وحده. أما الرسالة فلا تخصه وحده، وإنما يعم خيرها محيطا واسعا من البشر .. ولهذا تقدم في السياق!
(6) (( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) ) [1] 0
فى الآية السابقة على هذه في السياق يحذر الله المؤمنين من الاستماع إلى الخبثاء من أهل الكتاب، الذين يسعون إلى إغواء المسلمين عن دينهم، حسدا وحقدا:
(( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) ) [2] 0
وقد تكرر هذا التحذير في أكثر من آية:
(( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ) [3] 0
(( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) ) [4] 0
ويتوقع الإنسان أن يقول الله لهم - تنبيها وتحذيرا - كيف تكفرون ورسول الله بين ظهرانيكم؟! فلا شك في أن وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه بين المؤمنين كان له أعظم الأثر في تنشئة ذلك الجيل الفريد - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - الذى رباه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على عينه، والذى بلغ الذروة في قوة افيمان ورسوخه، اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتأثرا بالمثل الحى أمامهم، الذى تجسد في شخصه الكريم كل ما في القرآن من توجيهات وتعليمات، حتى لتقول عائشة رضى الله عنها حين سئلت عن خلق الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( كان خلقه القرآن ) ) [5] 0
ولكن السياق يظهر لنا أن هناك أمرا آخر تقدم على وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه الكريم بين المؤمنين .. إنه آيات الله التى تتلى عليهم!
آيات الله المتلوة عليهم هى ركيزة الإيمان الأولى، ووجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيهم ركيزة إضافية، ولكنها ليست هى الأصل!
والرسول - صلى الله عليه وسلم - ذاهب إلى ربه ذات يوم:
(( إنك ميت وإنهم ميتون ) ) [6] 0
ولكن العنصر الدائم المصاحب لهذه الأمة في مسيرتها هو آيات الله .. هو القرآن المنزل عليهم. ومن ثم يقول الله لهم: (( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ) )ثم يقول لهم: (( وفيكم رسوله ) )0
(1) سورة آل عمران: 101
(2) سورة آل عمران: 100
(3) سورة البقرة: 120
(4) سورة البقرة: 109
(5) أخرجه أحمد 0
(6) سورة الزمر: 30 0