(90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين )) [1] 0
واضح من السياق جملة أمور 00
فالرسل جميعا أرسلوا إلى أقوامهم بكلمة واحدة، وقضية واحدة: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره 00
هذه هى قضية الرسل جميعا، وهذه هى قضية الوجود كله .. قضية الإله الواحد الذى لا إله غيره، والذى لا ينبغى أن يعبد غيره 00
وقد أسلفنا أن الرسل لم يرسلوا ليقولوا للناس إن هناك إلها، فالفطرة تدرك ذلك من غير إرسال رسول:
(( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) ) [2] 0
ولا أرسل الرسل ليقولوا للناس اعبدوا إلهكم .. فالفطرة تتجه إلى عبادة الإله الذى تؤمن به من غير إرسال رسول، لأن الدين فطرة، والعبادة للإله مركوزة في الفطرة 0
إنما أرسل الرسل جميعا ليقولوا: (( ابعدوا الله ما لكم من إله غيره ) )00
إنها قضية التوحيد 00 وليست قضية الإقرار بوجود إله 0
والضلالة الكبرى التى وقعت فيها البشرية في تاريخها الطويل هى ضلالة الشرك، وليست ضلالة إنكار وجود الله، باستثناء الجاهلية المعاصرة التى أغواها (( شعب الله المختار ) ) [3] !
ثم كان مع تلك الضلالة الكبرى ضلالات موازية، سواء في تصور الإله على غير حقيقته، أو إنكار الوحى المنزل من الله على رسله، أو إنكار البعث والحساب، أو اتباع غير ما أنزل الله00
وكلها ضلالات يقع فيها البشر في جاهليتهم، فيرسل الله لهم الرسل ليهتدوا إلى الحق، ويعبدوا الله وحده، ويصدقوا ما جاءت به رسلهم، ويتبعوا ما أنزل الله 00
كما يتضح من السياق أن الأقوام كلهم كذبوا رسلهم، وأبوا أن ينقادوا لهم، وطالبوهم ببينة تثبت دعواهم أنهم رسل من عند الله، فلما جاءتهم البينات أصروا على كفرهم وتكذيبهم وأبو الانقياد!
إنها إذن ليست مرة عارضة في تاريخ البشرية .. إنها قصة مكرورة منتظمة الحدوث:
(( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون(52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون )) [4] 0
(( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون ) ) [5] 0
(( ثم بعثنا من بعده رسلًا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) ) [6] 0
الدروس التى تحملها قصص الأنبياء هى دروس موجهة للناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، ولكنها موجهة إلى الدعاة خاصة، الذين هم ورثة الأنبياء، فإن لهم فيها عبرا قد لا يدركها غيرهم، أولا يعيرها التفاتا00
الدرس الأول أن أهم ما تقوم عليه حياة الناس هو العقيدة 00
إن الطعام والشراب وغيره من ألوان النشاط الحسى لهى أمور يشترك فيها الإنسان والحيوان، وإن كان الإنسان ينبغى أن يمارسها على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان [7] !
ولكن الإنسان - الذى كرمه ربه - لم يكن قط مجرد قبضة الطين. إنما هو صار إنسانا بالنفخة العلوية فيه:
(( إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين(71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين )) [8] 0
فالنفخة العلوية من روح الله هى التى جعلته إنسانا، وهى التى منحته الوعى والإرادة والحرية - عناصر الإنسان الأصيلة - وهى التى جعلته موضع التكريم الإلهى، وأسجدت له الملائكة:
(1) سورة الأعراف: 59 - 93
(2) سورة الأعراف: 172
(3) اقرأ إن شئت فصل (( دور اليهود في إفساد أوربا ) )من كتاب (( مذاهب فكرية معاصرة ) )0
(4) سورة الذاريات: 52، 53
(5) سورة يس: 30
(6) سورة يونس: 74
(7) راجع إن شئت كتاب (( دراسات في النفس الإنسانية ) )
(8) سورة ص: 71،72