الصفحة 75 من 104

فما العبرة من إيراد هذه القصص الثلاث في وسط الحشد الضخم من قصص الأنبياء الذين مكن الله لهم، وأنجاهم من أعدائهم، ودمر على الطغاة بشتى الوسائل:

(( فكلأ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ) [1] 0

العبرة - للدعاة خاصة - أنه ليس من الضرورى في كل مرة أن يمكن الله لأشخاص المؤمنين في أعمارهم الدنيوية المحدودة .. ولكنه - في كل مرة - يمكن للدعوة!

إن هؤلاء الذين قضى عليهم الطغيان فلم يمكنوا في الأرض، ولم يروا النصر متحققا لأشخاصهم في عمرهم المحدود .. هؤلاء لم يذهبوا .. إنهم زاد ضخم لدعوة الحق .. زاد باق في الذكر حتى يرث الله الأرض ومن عليها .. زاد يملأ قلوبا من قلوب المؤمنين جيلًا وراء جيل، فيستصغرون الحياة الدنيا، ويرتفعون بإيمانهم على كل متاع الأرض، وعلى كل مخاوف الأرض، فيقفون بشجاعة وصبر وإيمان في وجه الباطل، ويضحون بأنفسهم لتكون كلمة الله هى العليا00

كلا! لم يذهبوا! حتى في الأرض لم يذهبوا .. فضلا عن جنات الخلد في الآخرة:

(( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ) [2] 0

(( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق(10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير )) [3] 0

(( وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ) ) [4] 0

يلفت النظر في قصص الأقوام السابقين في كتاب الله ذلك الحديث المطول المفصل عن بنى إسرائيل 0

وفى قصصهم دروس وعبر 00

(( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ) [5] 0

إن بنى إسرائيل أمة اختارها الله، وأنزل إليها كتابًا مفصلًا، ومكن لها - بكتابها - فترة من الزمن في الأرض، فقام لها ملك، وامتد لها سلطان، وأفاض الله عليها من نعمه 00 ثم 00؟

ثم كفرت بأنعم الله، وعتت عن أمر ربها، وأفسدت في الأرض، وضلت وأضلت، فنزع الله منها العهد، ومنحه لأمة أخرى 00

وهذه الأمة - أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - اختارها الله، وأنزل إليها كتابًا مفصلا، ومكن لها - بكتابها - فترة من الزمن في الأرض 00 فهى تحذر - من خلال قصة بنى إسرائيل المعروضة في الكتاب المنزل عليها - من أن تفعل مثلما فعلت الأمة الأولى فينزع منها العهد 00 وسنة الله لا تحابى00

ومما يؤسف له أن الأمة الثانية انحرفت - رغم التحذير - وإن لم تصل قط إلى ما وصلت إليه الأمة الأولى، وتحقق فيها ما أخبر عنه رسولها - صلى الله عليه وسلم: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى إن دخلوا جحر ضب دخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟! قال: فمن؟! ) ) [6] 0

ونأخذ بالذات ذلك الوصف الذى أشرنا إليه من قبل في فل (( الإعجاز البيانى ) ):

(( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) ) [7] 0

فماذا فعلت الأمة الثانية بكتابها الذى مكنها الله به قرونا ممتدة في التاريخ؟

لقد تحول في حس كثير من أبنائها في جيل الغثاء هذا إلى تراث 00

(1) سورة العنكبوت: 40

(2) سورة آل عمران: 169

(3) سورة البروج: 10،11

(4) سورة آل عمران: 140

(5) سورة يوسف: 111

(6) أخرجه مسلم

(7) سورة الأعراف: 169 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت