(( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ) [1] 0
والدرس السابع أن الفترة التى ينتفش فيها الباطل - بقدر من الله- هى فترة التمحيص للمؤمنين، التى تسبق محق الكافرين، ولها حكمتها عند الله:
(( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) ) [2] 0
(( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين )) [3] 0
وليس عن قلى من ا لله للذين آمنوا به يتركهم يبتلون ويعذبون ويضطهدون على يد الكفار .. ولكن حتى تصفو نفوسهم من كدرها، وتتعلق بالله وحده، وتتوكل عليه وحده، وتتجرد له. فإذا علم الله من نفوسهم أنها خلصت له، ولم يعد حب الدنيا يشغلهم عن ربهم وعبادتهم وآخرتهم، مكن لهم وهم مهيئون نفسيا للتمكين، بمعنى أن التمكين لا يطغيهم في الأرض لأنهم باعوا الحياة الدنيا، ولا يفسد مشاعرهم لأنهم تجردوا لله، وتعلقوا به حبا ورهبة: (( ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) ) [4] .. فينشرون العدل والسلام في الأرض، ويقومون بحراسة الحق: (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ) [5] 0
والدروس لا تحصى 00
ولكنا نختار درسا معينا نختم به حديثنا في هذه الفقرة 00
إنه قصة فرعون 00
وربما كانت قصة فرعون أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم، فقد ذكر في القرآن أربعا وسبعين مرة [6] . وفرعون من أشد الطغاة طغيانا في التاريخ .. ويكفى أن نعرف من جبروته أن موسى عليه السلام حين أمره ربه أن يذهب إلى فرعون ليطلب منه إطلاق سراح بنى إسرائيل، أدركه الخوف، وطلب من ربه أن يعينه بأخيه هارون، فآتاه الله ما سأل، وأرسل معه أخاه هارون، وأمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فأعلنا - معًا - خوفهما من المواجهة!
(( اذهب إلى فرعون إنه طغى(24) قال رب اشرح لى صدرى (25) ويسر لى أمرى (26) واحلل عقدة من لسانى (27) يفقهوا قولى (28) واجعل لى وزيرا من أهلى (29) هرون أخى (30) اشدد به أزرى (31) واشركه في أمرى (32) كى نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى )) [7] 000 (( اذهب أنت وأخوك بآياتى ولا تنيا في ذكرى(42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إننى معكما أسمع وأرى )) [8] 0
فماذا كان من أمر السحرة حين آمنوا، فهددهم فرعون بأنه سيقتلهم ويصلبهم في جذوع النخل:
(( 00 فلأقطعن أيديكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) ) [9] 0
كيف استعلى الإيمان في قلوبهم على كل متاع الأرض، وكل مخاوف الأرض؟!
(( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا(72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى )) [10]
إنها الروعة التى تجل عن التعبير!
وبهذه المناسبة، نقول إن هناك درسا للدعاة خاصة في قصة سحرة فرعون، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الكهف 00 فهؤلاء آمنوا، ثم ذهبوا ضحايا الظلم والطغيان، ولم يمكنوا في الأض00
والقصص في القرآن لا يرد لمجرد تسجيل الوقائع التاريخية، وإنما للعبرة 00
(1) سورة الرعد: 17
(2) سورة آل عمران: 141
(3) سورة العنكبوت: 2،3
(4) سورة الإسراء: 57
(5) سورة الحج: 41
(6) انظر المعجم المفهرس لآيات القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقى0
(7) سورة طه: 24 - 36
(8) سورة طه: 42 - 46
(9) سورة طه: 71
(10) سورة طه: 72، 73