الصفحة 73 من 104

إن الملأ لا يصدهم عن الهدى مجرى انطماس البصيرة، ولا مجرد اتباع عرف الآباء والأجداد، ولا مجرد النفور من شىء لم يألفوه .. فهذه كلها قد تفعل فعلها مع (( الجماهير ) )فتصدها عن الهدى بادئ ذى بدء إلا من فتح الله بصيرته. أما الملأ فقد يشاركون الجماهير في ضلالاتهم، ولكن لهم سببا خاصا بهم، يجعلهم يقفون ضد دعوة لا إله إلا الله، ويتصدون لها أول المتصدين .. إنها قضية الولاء .. قضية السلطان! فهم يريدون الولاء والسلطة لهم، بينما لا إله إلا الله تجعل الولاء والسلطان لله .. ودون ذلك وتندق الأعناق! إن لهم سلطة على (( الجماهير ) )- على الذين استضعفوا - يوجهونهم كما شاءوا، ويشرعون لهم ما شاءوا، وتطيعهم هذه الجماهير المستضعفة فيتألهون عليها، ويشعرون بنشوة السلطان بنشوة السلطان القاهر عليها، فتجئ دعوة لا إله إلا الله، فترد الألوهية لله وحده، والسلطان له وحده، والطاعة المطلقة له وحده، وهم لا طاعة لهم إلا فيما يطيعون هم ربهم فيه:

(( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا ) ) [1] 0

ومعنى ذلك سلبهم أعز ما يعتزون به، وأشد ما يبعث الكبرياء في نفوسهم، وتنتشى له أحاسيسهم .. فيقفون للدعوة أول الواقفين، ويصرون ويعاندون ..

والدرس الثالث أن طلبهم الآية التى تثبت صدق ما يدعيه الرسول من كونه مرسلًا من عند الله، لا ينبع في الحقيقة من الرغبة في التثبت والاستيثاق قبل اتخاذ القرار .. فلو أنه كان كذلك لكان المسلك الطبيعى والسوى أن يؤمنوا حين تجيئهم الآية .. إنما هو مجرد تكأة للصد وعدم الانقياد .. فإذا جاءت الآية التى علقوا إيمانهم عليها زادوا عنادا وإصرارًا واستكبارًا ليغطوا على الحرج الذى يحسونه في دخيلة أنفسهم من وضوح الحق وانكشاف الباطل وأنه لا يستند على شىء حقيقى00

والدرس الرابع أن الملأ لا يكتفون تجاه دعوة لا إله إلا الله بالصد والتكذيب، والتشهير والتشويه، إنما يتعدون ذلك إلى الإيذاء! ويشتد الإيذاء كلما استجاب للدعوة نفر من (( المستضعفين ) ).. لأن معنى استجابتهم أنهم خرجوا على ألوهيتهم المزعومة، واستقلوا بكيانهم عن سلطانهم، أى لم يعودوا خاضعين - نفسيا على الأقل - لسيطرتهم! وأى شىء يمكن أن يتقبل إلا هذا! حتى وإن أعلن الدعاة المسالمة، وطلبوا المهادنة:

(( وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا 00 )) [2] 0

والدرس الخامس أن الرسل وأتباعهم الذين آمنوا لا يتخلون عن الحق بسبب ما يتعرضون له من الإيذاء، لأن الحق أغلى عليهم حتى من أنفسهم؛ وتعلقهم بربهم، حبا وخشية، أقوى من كل عوامل الضغط والإرهاب الذى يواجههم، ولأنهم - بعمق إيمانهم - يدركون أن الأمر بيد الله وليس بيد البشر، مهما بدا في ظاهر الأمر من جبروتهم، فيتوكلون عليه وحده، ويتوجهون إليه وحده بطلب النجاة من قبضة الأعداء:

(( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فيتوكل المتوكلون ) ) [3] 0

(( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) ) [4] 0

والدرس السادس أن الباطل ينتفش فترة من الوقت - بقدر من الله - ثم يأتى نصر الله، فيزهق الباطل، وينتصر الحق ويثبت ويتمكن:

(1) سورة النساء: 59 0

(2) سورة الأعراف: 87،88

(3) سورة إبراهيم: 12

(4) سورة الأنعام: 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت