الصفحة 79 من 104

(( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ) [1] 0

البركة والطمأنينة بابان من أبواب التمكين لا يحصل عليهما الكفار في الحياة الدنيا، برغم كل الأبواب المفتحة عليهم، من القوة السياسية والحربية والتكنولوجية والرخاء المادى .. ومن كان في شك من ذلك فلينظر إلى واقع الغرب اليوم، الذى وصل في قوته المادية إلى مستوى لم يسبق للبشرية أن وصلت إليه، ومع ذلك فهو يعج بالشقاء والكآبة التى توصل بعض الناس إلى الانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية وتسلم بعضهم إلى الخمر والمخدرات، وتدفع آخرين إلى الجريمة00

كلا! لا بركة ولا طمأنينة 00

بينما تمكين الرضا فيه كل أبواب القوة، مضافًا إليها الطمأنينة الروحية المنبثقة من ذكر الله، والبركة التى تحيط المجتمع المسلم من فيض الرحمن:

(( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئًا ) ) [2] 0

فقد تكفل الله لهم بالاستخلاف والتمكين والتأمين، فضلا عن البركة والطمأنينة، حين يعبدونه حق عبادته، ويقومون بمقتضيات دينهم وتكاليفه على الوجه الصحيح00

ومن ثم، فإن الذين ينبذون دينهم ويقولون إنهم ينبذونه ليحصلوا على القوة والتمكين واهمون في دعواهم ومموهون. فقد جرفتهم أهواؤهم وشهواتهم، ولكنهم يتظاهرون بالعقلانية، وبأن عقلانيتهم هى التى تدفعهم إلى نبذ الدين! كلا! لقد كرهوا ما أنزل الله، ثم زينوا كفرهم بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان0

إذا كان الغرب قد نبذ دينه - لأسباب كامنة في ذلك الدين وفى رجاله وكنيسته - ثم حصل على القوة والتمكين، فذلك تحقيق للسنة التى يعامل بها الكفار:

(( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء ) ) [3] 0

أما المؤمنون فلا يمكنهم وهم عصاة! لا يمكنهم حتى يعودا إليه، ويستقيموا على طريقه .. وتاريخهم كله هو مصداق هذه الحقيقة: كلما تمسكوا بدينهم تمكنوا في الأرض .. وكلما تخلخلت قبضتهم من حبل الله المتين جاءهم الأعداء، وعجزوا عن صدهم، وأدركهم الوهن، فذلوا 00

(( فألا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) )؟! [4]

وهناك سنن لزوال التمكين 00

(( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها لى قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ) [5]

(( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) ) [6]

الترف هو الحمض الأكال الذى يأكل الأفراد والشعوب .. والشعوب بصفة خاصة 0

ولأن السنن الاجتماعية بطيئة في تحققها، وقد تستغرق مئات السنين حتى يتكامل مفعولها، فإن كثيرا من الطغاة لا يدركونها حين لا تتحقق في أعمارهم المحدودة، فيحسبون أنهم ناجون من آثارها، أو يقولون من جانب آخر: (( أنا ومن بعدى الطوفان! ) )فيستغرقون في الترف غير ناظرين إلى النتائج. فيقول الله لهم: سيروا في الأرض فانظروا! انظروا كيف كانت مصاير من كان قبلكم. فالتاريخ هو معرض تحقق السنن الاجتماعية الطويلة الأمد، التى تتجاوز أعمار الأفراد .. ولكن الطغاة - خلال التاريخ - لا يعتبرون! وكل واحد منهم يظن أنه حالة فريدة غير مسبوقة، لا تنطبق عليها أحوال السابقين:

(( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكمن كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال(45) وقد مكروا مكرهم )) [7] 0

لذلك يعج التاريخ بأخبار الطغاة!

ويلحق بسنن زوال التمكين سنة التداول:

(( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ) [8] 0

(1) سورة الرعد: 28

(2) سورة النور: 55

(3) سورة الأنعام: 44

(4) سورة محمد: 24

(5) سورة الأنفال: 53

(6) سورة الإسراء: 16

(7) سورة إبراهيم: 45،46

(8) سورة آل عمران: 140

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت