لم تدم قوة في الأرض مهما طال بقاؤها .. وإنما يحدث التغيير دائمًا، وتنتقل القوة من مكان إلى مكان، ومن شعب إلى شعب، ومن جنس من أجناس البشر إلى جنس آخر0
وعلى الرغم من أنها سنة من سنن الله، لها حكمتها عنده، فإن لها أسبابها .. فهى لا تحدث اعتباطا. إن الأمم في نشأتها واضمحلالها تمر بأطوار 00
فى نشأتها تكون مستوفزة الطاقات، فهى تصارع القوى القائمة لتثبت وجودها، ثم لتثبثت وجودها. والصراع دائمًا يحفز القوى الكامنة، فتعمل بكل طاقتها00
ثم تجئ فترة تكون الأمة ممكنة ولكنها خائفة من أعدائها، فتظل يقظة لنفسها وما حولها، فيستمر تمكينها 0
ثم تجئ فترة أخرى تطمئن فيها إلى أنها قد أصبحت في مأمن من أعدائها، لأنها بلغت مبلغا من القوة يرهب أعداءها فلا يفكرون في العدوان عليها00
وفى هذه الفترة يبدأ التراخى، ويبدأ الترهل، ويبدأ الترف، ويبدأ الانحلال الذى يؤدى إلى الضعف، فيطمع الأعداء 00
وحين يصل الترف إلى حب الحياة وكراهية الموت، وكراهية تكاليف الجهاد في الأنفس والأموال، يبدأ الاضمحلال الذى يؤدى إلى الزوال! وتنتقل القوة إلى مولود جديد، يشب ثم يترعرع، حتى تدركه السنة في نهاية المطاف 00
وقد التفت ابن خلدون إلى هذه السنة وركز عليها كثيرا، وعنه أخذ توينبى، وشبه الأمة بالشجرة، تبدأ صغيرة نابتة، ثم تقوى وتتمكن، ثم تشيخ فتموت، وقال إن تاريخ الأمم كتاريخ الأفراد يبدأ بالمبلاد وينتهى بالموت00
ولكنا حتى لو افترضنا صحة ما ذهب إليه ابن خلدون، وتابعه توينبى، فنحن نتساءل: هل الشيخوخة التى تؤدى إلى الموت هى السنة، أم هى الترف الذى يؤدى إلى الانحلال؟
ونسأل سؤالا آخر: هل الأمة الإسلامية تنطبق عليها تلك السنة المفترضة: سنة الشيخوخة التى تؤدى إلى الموت؟
نحسب - والله أعلم- أن الله لم يكتب هذه السنة - إن كانت سنة حقا- على الأمة الإسلامية في مجموعها. فقد شاخت الدولة الأموية وذهبت، وشاخت الدولة العباسية وذهبت، وشاخت دولة المسلمين في الأندلس وذهبت، وشاخت الدولة العثمانية وذهبت حين أصيبت كلها بالداء القاتل، داء الترف، ولكن الأمة الإسلامية لم تذهب!
والصحوة الحالية دليل 00
والمستقبل مفعم بآمال العودة إلى التمكين، وخاصة حين تقع المعركة التى أخبر عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، التى يقول فيها الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا من خلفى يهودى فتعال فاقتله00
وقد يكون مفتاح الأمر هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها ) ) [1] 0
وإذا تجدد الدين تجددت القوة وعاد التمكين تحقيقا لوعد الله:
(( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئًا ) ) [2] 0
من السنن التى يرد ذكرها كثيرا في كتاب الله سنة الابتلاء:
(( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا ) ) [3] 0
(( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) ) [4] 0
(( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) ) [5] 0
والابتلاء أنواع00 بعضها عام يشمل البشر جميعا، وبعضها يختص بفئة معينة من الناس0
والابتلاء العام الذى يشمل البشر جميعا قد أشرنا إليه من قبل، ولا بأس بالتذكير به هنا مرة أخرى0
(1) سبقت الإشارة إليه 0
(2) سورة النور: 55
(3) سورة الإنسان: 2
(4) سورة الكهف: 7
(5) سورة الأنبياء: 35