فى فطرة الإنسان رغبة عميقة في الاستمتاع، والأرض مزينة بألوان مختلفة من المتاع، ولكن الله سبحانه وتعالى - وهوالحكيم الخبير - رسم حدودًا أباح المتاع في داخلها وحرمه خارجها، وله حكمته في التحليل والتحريم. فهو يحل الطيبات ويحرك الخبائث، فأباح ما يعلم سبحانه في صالح الإنسان، وحرم ما يعلم أنه يضره. ولكن الرغبات في نفس الإنسان حادة وعميقة:
(( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) ) [1]
والاختبار الذى يوضع الإنسان فيه في كل لحظة من لحظات حياته الواعية المريدة المختارة هو هذا: هل يلتزم في تناوله للمتاع الأرضى بالحدود التى رسمها الله، أم تغلبه شهوته فيتجاوز الحدود؟ وفى كل لحظة تسجل له نقطة في الاختبار، وفى النهاية تعلن النتيجة، فإما إلى الجنة وإما إلى النار0
ذلك هو الاختبار الأكبر الذى خلق الإنسان من أجله، وهو وثيق الصلة بالعبادة التى قال الله إنه لم يخلق الإنسان إلا لها:
(( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) [2] 0
فالعبادة معناها - أو مؤداها - طاعة الله فيما أمر به وما نهى عنه. أى - بعبارة أخرى- الالتزام بالحدود التى حددها الله للمتاع. ومادة الاختبار هى نفس الأمر: هل يعبد الإنسان ربه - فيطيعه - أم يعبد الشيطان؟
وأداة الشيطان التى يفتن بها الناس عن عبادة ربهم هى تزيين المتاع الزائد عن الحد: (( قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين(39) إلا عبادك منهم المخلصين )) [3] 0
(( قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم(16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين )) [4] 0
(( قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورًا(63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا )) [5] 0
(( وقال لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضا(118) ولأضلنهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم 00 )) [6] 0
ويلاحظ في الآية الخيرة وصف دقيق للخطوات التى يتبعها الشيطان في غواية الناس، فهو ابتداء يضلهم، فيقودهم إلى الطريق الذى قال لهم الله لا تسلكوه، ويمنيهم أنهم سيجدون بغيتهم (من المتاع) فى هذا الطريق، فإذا استسلموا له أخذ يأمرهم أمرًا بمخالفة أمر الله فيطيعونه00
ومن رحمة الله بعباده أنه لا يخرجهمن من رحمته بمجرد هفوة يستجيبون فيها لوسوسات الشيطان:
(( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون(135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين )) [7] 0
ومتى مرتكب الكبيرة لا يخلده في النار، إنما المخلدون في النار هم الذين يكفرون بآيات الله، والذين يشركون به، والذين يستحلون ما حرم الله، ويشرعون بغير ما أنزل الله0
إذا كان هذا هو الاختبار العام الذى يدخل فيه الناس جميعًا، فينجح من هداه الله، ويرسب من وقع في الضلال، فهناك أنواع أخرى من الاختبار - أو الابتلاء- لا تقع لكل الناس، إنما فئات وفئات00
فبعض الناس يبتلون ببسط الرزق، وبعضهم يبتلون بقدر أرزاقهم:
(1) سورة آل عمران: 14
(2) سورة الذاريات: 56
(3) سورة الحجر: 39،40
(4) سورة الأعراف: 16،17
(5) سورة الإسراء: 63 - 64
(6) سورة النساء: 118 - 119
(7) سورة آل عمران: 135 - 136